تزرين يعقوب سولا
يدخل المريض إلى العيادة مثقلاً بالألم، حاملاً ملفه الطبي . يستقبله “كاتب الطبيب ” أولاً أو مايسمى “بالسكرتير” ذلك الكائن الجالس خلف المكتب… الذي يبدو أحياناً وكأنه المدير العام للصحة العالمية، لا مجرد شخص يدوّن الأسماء ويرتب المواعيد
لا مشكلة في النظام، فالنظام جميل، لكن بعضهم يتعامل مع المراجعين وكأنهم جاءوا يستجدون تأشيرة سفر إلى كوكب آخر، لا لمراجعة التهاب حلق أو وجع ظهر.
لكن الحقيقة التي لا ينتبه لها كثيرون، أن بعض الأطباء أنفسهم هم من ينقلون هذه العدوى إلى الكاتب أو السكرتير.
فعندما يتعامل الطبيب هكذا مع الناس، أو يحيط نفسه بهالة مبالغ فيها، يشعر الكاتب تلقائياً أنه جزء من هذه “الهيبة المصطنعة”، فيمارس الاسلوب الاجوف على المرضى ،
او أن بعض الناس بالغوا كثيراً ، في صنع هذه الهالة الأسطورية للاطباء وطواقمهم ، حتى انتقلت العدوى إلى السكرتير والكاتب وحتى حامل المفاتيح؟
مع أن الحقيقة بسيطة جداً :
الكاتب موظف محترم حين يحترم الناس، ومهنة تنظيم المواعيد لا تمنح صاحبها حق العبوس الدائم أو التحدث وكأنه يوزع الأعمار لا الأرقام.
لا أحد ينكر أن مهنة الطب من المهن الإنسانية الرفيعة، وأن الطبيب يحمل مسؤولية كبيرة تتعلق بحياة الناس وآلامهم وخوفهم. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاحترام الطبيعي إلى تعامل غير لائق مبالغ فيه،
مع أن العلاقة في حقيقتها علاقة مهنية متبادلة، المريض يراجع الطبيب طلبًا للعلاج، والطبيب يقدم خدمته مقابل أجر يتقاضاه. ليست صدقة، ولا مِنّة، بل عمل محترم يتقاضى صاحبه أجره المستحق.
أو ربما لأن الإنسان حين يمرض يصبح ضعيفًا وخائفًا، فيرى في الطبيب طوق نجاة، فيمنحه مكانة استثنائية تتجاوز حدود المهنة. وربما لأن بعض المجتمعات تربط قيمة الإنسان بلقبه أو مكانته الاجتماعية أكثر من أخلاقه وإنسانيته.
لكن المشكلة أن الإفراط فيها أحيانًا لا يصنع طبيبًا أكثر إنسانية .
الطبيب الحقيقي لا يحتاج إلى إلى كل هذه المظاهر .
إنسانيته، تواضعه، احترامه لآلام الناس، وحسن تعامله… هي ما يرفع مكانته فعلًا.
كما أن المهن جميعها تستحق الاحترام؛ فالمعلم يبني العقول، والعامل يبني الحياة، والمزارع يزرع الغذاء، ولكل إنسان دوره وقيمته. واختزال القيمة عند البعض في مهنة واحدة غير منصف لبقية الجهود الإنسانية.
الاحترام واجب، نعم. لكن المبالغة ليست صحيًة لأي مجتمع. لأن الإنسان، مهما علا شأنه، يبقى إنسانًا يخطئ ويصيب. والمكانة الحقيقية لا يصنعها اللقب، بل الأخلاق.
ومع ذلك، ومن باب الإنصاف، ليس كل الأطباء هكذا.
فبعضهم يجسد فعلاً إنسانية المهنة، وتظهر في تعامله تربيته وأصالته الشخصية قبل شهادته العلمية.
وهؤلاء تحديداً، غالباً ما ينعكس احترامهم على طاقم العيادة كله، فتجد الكاتب هادئاً، والسكرتير لبقاً، والمكان أقل توتراً وأكثر إنسانية.
فالطب ليس سماعة فقط،
والهيبة لا تصنعها الوجوه العابسة،
أما الاحترام… فهو العلاج الذي لا يحتاج وصفة.