التصوفية والعقائد الوحدانية الكبرى

د. نزار الربيعي

التصوفية نتاج ذو جذور عميقة في الإسلام آخر العقائد الوحدانية الكبرى. وكأي دين من الأديان التي سبقته حمل بذور الزهد، وقدم صيغاً للحد من متع الحياة والتبصر بالنهاية المحتومة لكل إنسان. والزهد في الإسلام جاء نتيجة لمركبات سيكولوجية مختلفة التكوينات والعناصر: كالمبالغة في الشعور بالخطيئة والرعب من عذاب الآخرة، إلى جانب العامل الاقتصادي المتمثل بالرفض لأنماط الترف الأرستقراطي الذي استشرى بعبثية في القرن الأول للإسلام وما يقابل ذلك من ساحة مقفرة إلا من حشود البسطاء والفقراء، الذين تجمعوا ليكون لهم موقف بديل، يشكل تعويضاً يمثل الزهد في كل أشكال الحياة.

بذلك نشأ الزهد من ثورة ذاتية أولاً بداياتها لا تقف عند حدود مقاومة المظاهر الترفية والتسلطية فحسب بل تبدأ من جهد النفس واجتثاث الخطيئة فيها وربما انتهى هذا الموقف إلى إيجابية إصلاحية، أو إلى سلبية تامة. على هذا الأساس بدأ التصوف في القرن الأول نظاماً عاماً، إذ لم يكن للصوفية نظريات غير أنهم ما كانوا يرون في العالم المادي إلا نقاباً وهميا يخفي العالم الحقيقي لله وأسرار الكون، وهو عالم خفي عن معظم الناس، باستثناء من يحاول بإخلاص أن يدخل إليه ويملأ رئتيه من هوائه.

لقد ظهرت، في القرن الثاني الهجري مدرستان صوفيتان في الكوفة والبصرة، الأولى مثالية تُعنى بالحب الأفلاطوني في الشعر، والثانية طبعت بطابع الحقيقة، وأولعت بالمنطق. وكانت هاتان المدرستان النواة الأولى للصوفية، لكن التَّوَجّه سرعان ما اتخذ خطه العام نحو تطهير النفس، ورد فعل للسلطة التي ركزت أقدامها بعنف والاختلال في المجتمع الإسلامي، مما ولّد لدى العناصر الأكثر حساسية، شعوراً قوياً بالخطيئة خوفاً من الانتقام الإلهي.

ومن طريق التقشف الدائم والتأمل الطويل، شَعَرَ الصوفيون بأن تجربتهم في هتك حجاب المادة تشكل سمة أساسيّة في الطريق الطويل إلى التصوف. وفي القرنين الثالث والرابع الهجريين أصبحت الصوفية تتخذ مساراً آخر ينطلق من فكرة وحدة الوجود التي اعتمدها منظرو الفكر الصوفي فأثرت وتأثرت بجملة من الأفكار والآراء.

وخلال هذين، القرنين بدأت التصوفية تستقطب فريقاً من المثقفين المسلمين الذين نَهَجُوا طريق البحث العقلاني والعلمي، والذين تبطهم، على نحو أو آخر، اصطدامهم بالسلطة. وإذا كان بعض منهم قد لاذ باللاأدرية المتشائمة، فإن آخرين وجدوا أمنهم وملاذهم في التصوفية التي تبحث عن المعرفة من طريق العقل.

الزمن، اتخذ التصوّف شكل حركة تعتمد التنظيم، وترتكز على وبمرور جملة من القواعد والتقاليد والطقوس. وبانتشار الطرق الصوفية في العالم الإسلامي على شكل مشيخات ومؤسسات بدأت أولى ظواهر الفروق بين الصوفية واتجاهاتها المعاكسة نحو الانحلال فتعددت الطرق، وتشعبت وظهرت الخرافات، وبذلك ابتعد التصوف عن أصله الحقيقي.

وفي القرن الخامس الهجري، ظهرت اتجاهات جديدة في محاولات لإعادة التصوفية إلى مسارها الأول ورفع الشبهات التي علقت بها. لكن الصوفية التمعت عبر مسافات، وتوقفت في محطات، لترفد الفكر الإسلامي بعطاء اتَّسم بالصبغة الفلسفية التي تتمثل بالكتب والرسائل لكبار المتصوفة والتي اعتبرت القاعدة الأساسية لبناء الفكر الفلسفي الصوفي في الإسلام بعدها أخذ الفكر الصوفي يتسم على العموم بامتزاجه النظري والعملي بتأثير البيئة والأحداث.

وهكذا ظل التصوّف يستمد عناصره في ظل التصورات الشاملة التي مرّ بها تاريخ المسلمين في القرون الثلاثة الأولى وكان نتيجة مباشرة لها. لكنها تظل على الرغم من الأجواء القاتمة التي عبرتها دعوة مباشرة من المطلق إلى الإنسان تَحُبُّه على وقف تجواله في تيه ما هو نسبي، والعودة إلى المطلق والواحد إنها تناشد ما هو دائم وثابت في الإنسان، وتقيم للتجربة اعتباراً كبيراً دون أن تلتزم بقواعد المنطق.

قد يعجبك ايضا