أوليا جلبي في ظلال “سلطان شيخموس” حين وثّق رحّالة العثمانيين مقاماً كوردياً في ماردين

* ماهين شيخاني.

في القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي، كان رحّالة عثماني يجوب الأناضول، يدوّن ما تراه عينه، وما تلتقطه ذاكرته من عجائب البلدان وأخبار الأولياء. كان اسمه أوليا جلبي، وكان كتابه “السياحت نامة” واحداً من أعظم ما كُتب في أدب الرحلات.

وفي طريقه من ديار بكر إلى ماردين، توقف عند محطة لم تكن عابرة في رحلته. محطة تحمل اسماً يتكرر على ألسنة الناس، وذكراً يتجدد في قلوبهم. هناك، في المنطقة المعروفة بـ “شيخان”، وقف الرحّالة أمام مقام رجل لم يره، لكنه شعر بحضوره. رجل عاش قبل خمسة قرون، لكن أثره ما زال يملأ المكان.

كان ذلك الرجل هو الشيخ موسى بن ماهين الزولي المارديني، المعروف في وجدان شعوب المنطقة بـ “سلطان شيخموس”.

ماذا كتب أوليا جلبي؟

في صفحات “السياحت نامة”، أفرد أوليا جلبي مساحة خاصة لهذا المقام. لم يمر عليه مرور العابرين، بل توقف عنده، ووصفه، وذكر اسمه بكل توقير:

“الشيخ حضرة زولي سلطان”

هكذا سماه، بهذا اللقب الذي يجمع بين “الشيخ” و”السلطان”، بين التصوف والسلطة الروحية. لم يكن مجرد وليّ عابر، بل كان “واحداً من كبار مشايخ التصوف وأصحاب الكرامات” في تلك النواحي.

وصف أوليا جلبي المكان الذي يقع فيه المزار: بين ديار بكر وماردين، في منطقة تُعرف بـ”شيخان”. وذكر أن الضريح والزاوية المحيطة به كانا مركزاً نشطاً للتكايا الصوفية، يقصده الدراويش والزوار، ويجد فيه عابرو السبيل محطة للراحة والتبرك.

ولم يكتفِ بوصف المكان، بل ربط بينه وبين النظام الاجتماعي المحيط. أشار إلى الارتباط الوثيق لأهالي المنطقة، من الكورد والعرب، بهذا الشيخ. فالمزار لم يكن مجرد قبر، بل كان ملاذاً روحياً يقصده الناس لطلب الدعاء وتفريج الكرب.

لماذا هذا التوثيق مهم؟

ما دوّنه أوليا جلبي ليس مجرد سطر في كتاب رحلات. إنه وثيقة تاريخية تثبت أموراً ثلاثة:

الأول: أن هذا المقام كان موجوداً ومعروفاً ومقصوداً في القرن السابع عشر الميلادي، أي قبل أكثر من ثلاثة قرون ونصف.

الثاني: أن الشيخ موسى الزولي كان شخصية روحية ذات مكانة كبرى في وجدان شعوب المنطقة، مسلمة ومسيحية، كوردية وعربية.

الثالث: أن المنطقة التي يقع فيها المزار، “شيخان”، كانت مرتبطة بهذا الاسم، وبهذا الشيخ، منذ قرون.

وهذا كله يعني أن “سلطان شيخموس” ليس أسطورة متأخرة، ولا اختراعاً حديثاً. إنه حقيقة تاريخية موثقة في كتاب رحّالة عثماني مسلم، كتب ما رأى، وما سمع، وما لمسه من أثر في القلوب.

الرجل الذي سبق التوثيق

الشيخ موسى بن ماهين الزولي، المولود في ماردين عام 1077، والمتوفى فيها عام 1164، لم يترك كتاباً، ولا أتباعاً بالمعنى السياسي للكلمة. ترك شيئاً آخر: أثراً في القلوب.

كان من تلاميذ الشيخ عبد القادر الجيلاني، وكان معاصراً للشيخ عدي بن مسافر، وأحد خلفاء الشيخ عقيل المنبجي. ذاع صيته بسبب كراماته، وارتبط اسمه بالطريقة الزولية، التي انتشرت في ماردين وديار بكر والجزيرة.

قبره في قرية يوجه (Yüce)، على طريق ماردين-ديار بكر، حيث المنطقة التي عُرفت لاحقاً بـ “شيخان”. وهناك، منذ أكثر من ثمانية قرون، ما زال المقام قائماً، وما زال الناس يقصدونه، وما زال الاسم يتردد: سلطان شيخموس.

خاتمة: من المخطوط إلى الذاكرة

ما فعله أوليا جلبي قبل أكثر من ثلاثة قرون لم يكن مجرد تدوين. كان إنقاذاً للذاكرة. أن تكتب عن وليّ، عن مقام، عن زاوية، عن قرية، في زمن لم تكن فيه الكاميرات ولا أرشيفات الإنترنت، يعني أنك تحفظ شيئاً من الضياع.

واليوم، حين نقرأ ما كتبه أوليا جلبي، لا نقرأ فقط وصفاً جغرافياً. نقرأ شهادة على أن هذا المقام كان، وما زال، جزءاً من هوية المنطقة. وأن “سلطان شيخموس” ليس مجرد اسم في كتاب، بل روح تسكن الجبل، وتضيء الطريق، وتربط الأجيال.

ومن يقرأ السياحت نامة، سيعرف أن ماردين لم تكن يوماً بلا حارس. وأن الشيخ موسى الزولي، وإن رحل جسده، ما زال حاضراً ببركته، محفوظاً بذكره، موثقاً في كتب الرحّالة.

قد يعجبك ايضا
∧