ياسين الحديدي
كركوك
في مثل هذا اليوم من عام 1967، وقفت جريدة «التآخي»، لسان حال الحركة الكوردية آنذاك، لتعلن على صدر صفحتها الأولى تصريحاً أثار اهتمام بغداد والعالم العربي. قالها الخالد الملا مصطفى البارزاني بوضوح لا لبس فيه: «أنا كردي عراقي.. ولم نطلب أن ننفصل عن العراق».
وفي التصريح نفسه، وقبل خمسة أشهر فقط من انتكاسة حزيران، أعلن البارزاني الخالد موقفه بوضوح قائلاً: «إسرائيل تعتدي على العالم العربي، ويجب أن يدينها الرأي العام العالمي».
كانت تلك هي البوصلة في ذلك الزمن؛ فالكردي كان عراقياً، والعراق وطناً للجميع، والقضية الفلسطينية حاضرة في الوجدان العراقي، فيما كانت إسرائيل تُنظر إليها باعتبارها طرفاً في صراع عربي ـ إسرائيلي مفتوح.
واليوم، وبعد عقود، أقولها كما قالها الراحل الملا مصطفى البارزاني في ستينيات القرن الماضي: الكردي عراقي، والعربي عراقي، والتركماني عراقي، وكل مكوّنات العراق شركاء في وطن واحد، ولم يكن مطلبنا أن ننفصل عن العراق.
أما استفتاء عام 2017، فقد كان تعبيراً عن إرادة سياسية وشعبية في إقليم كردستان، وقد جرى حوله جدل واسع بشأن أهدافه ونتائجه وتداعياته، إلا أن أحداث السنوات اللاحقة أثبتت أن العلاقة بين بغداد وأربيل بقيت قضية أساسية في مستقبل العراق السياسي.
وفي هذا السياق، يبرز خطاب الرئيس مسعود بارزاني في السنوات الأخيرة، ولا سيما في رسائله إلى العراقيين والقوى السياسية، داعياً إلى الحوار والتفاهم وحل الخلافات بين بغداد وأربيل بالطرق السياسية. وقد دعا في آذار 2026 الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان إلى الاجتماع لحل القضايا العالقة ومنع استغلال الخلافات لتعميق الأزمات.
إن الرئيس مسعود بارزاني، بما يمتلكه من تجربة سياسية طويلة، أصبح شخصية يعود إليها غالبية السياسيين العراقيين في أوقات الأزمات والتعقيدات السياسية، بحثاً عن الحوار والتفاهم وتهدئة الخلافات.
ومن هنا أقولها اليوم، وبكل وضوح: أنا عربي، كردي، تركماني، عراقي.. ولم نطلب، ولا نطلب، أن ننفصل عن العراق.
أما القضية الفلسطينية، فما زالت حاضرة في وجدان شعوب المنطقة، وما زالت الأحداث في غزة تثير مواقف سياسية وإنسانية واسعة، في ظل استمرار الصراع وسقوط الضحايا الفلسطينيين.
إن العراق، بكل مكوّناته، بحاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرّق، وإلى رؤية تجعل المواطنة والانتماء إلى العراق مساحةً مشتركة للجميع، مع احترام خصوصية كل مكوّن وحقوقه الدستورية.
رحم الله زمناً كانت فيه البوصلة أوضح، وكانت الهوية الوطنية تجمع العراقيين رغم اختلاف قومياتهم ومذاهبهم. فالوطن لا يحتاج إلى حواجز بين أبنائه، ولا إلى أن تتحول الهويات إلى جدران تفصل العراقي عن أخيه العراقي.
العراق وطننا جميعاً، واختلافنا في القومية والثقافة لا ينبغي أن يكون سبباً للفرقة، بل يمكن أن يكون مصدر قوة وتنوّع لهذا الوطن.