آشتي محمد عمر
كاتبة ومحللة سياسية
لم يعد تمكين المرأة في العصر الحديث قضيةً اجتماعية فحسب، بل أصبح أحد أهم المؤشرات التي يُقاس بها مستوى تطور الأنظمة الديمقراطية وقدرتها على توظيف جميع الطاقات الوطنية في خدمة التنمية والاستقرار.
فالدول التي تؤمن بالكفاءة وتكافؤ الفرص تدرك أن بناء مؤسسات راسخة لا يكتمل إلا بمشاركة فاعلة ومتوازنة في مختلف مواقع المسؤولية وصنع القرار.
وفي هذا السياق، قدم إقليم كوردستان خلال العقود الماضية تجربة تستحق التوقف عندها، إذ شهد تطوراً تدريجياً في توسيع حضور الكفاءات النسوية داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية والإدارية، بما يعكس إرادة سياسية وتشريعية هدفت إلى تعزيز مبدأ المشاركة على أساس الكفاءة والاستحقاق.
ولم يكن هذا الحضور وليد الصدفة، بل جاء ثمرة سنوات من العمل المتواصل والإسهام في الحياة العامة، حيث أثبتت القيادات النسوية قدرتها على تحمل المسؤولية، والمشاركة في صياغة التشريعات، ورسم السياسات العامة، والإسهام في معالجة العديد من القضايا الوطنية والاجتماعية والإنسانية.
كما شكل وصول امرأة إلى رئاسة برلمان كوردستان محطة مهمة في مسيرة العمل المؤسسي، ورسالة واضحة بأن الكفاءة قادرة على فرض حضورها متى ما توفرت البيئة الداعمة لذلك.
وامتد هذا الدور ليشمل قطاعات التعليم والصحة والقضاء والإدارة والخدمة العامة، إلى جانب النشاط الواسع في مؤسسات المجتمع المدني والمبادرات الإنسانية، الأمر الذي عزز من ثقافة المشاركة، وأسهم في ترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية والتنمية المستدامة.
إن التجربة الكوردستانية تؤكد أن التمكين الحقيقي لا يتحقق عبر الخطابات أو الشعارات، وإنما من خلال تشريعات عادلة، ومؤسسات فاعلة، وسياسات تضمن تكافؤ الفرص أمام الجميع. وعندما تتوافر هذه المقومات، يصبح معيار النجاح هو الكفاءة والقدرة على الإنجاز، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.
واليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى توسيع دائرة المشاركة في مختلف مستويات الإدارة وصنع القرار، والاستفادة من الطاقات والخبرات الوطنية كافة، بما يعزز قدرة المؤسسات على مواجهة التحديات المتزايدة، ويرسخ مبادئ العدالة والمواطنة والشراكة المجتمعية.
لقد أثبتت التجربة أن الاستثمار في قدرات المرأة ليس مكسباً لفئة بعينها، بل هو استثمار مباشر في قوة الدولة واستقرارها ومستقبلها. فالمجتمعات التي تمنح أبناءها وبناتها فرصاً
متكافئة للإبداع والعطاء، تمتلك مقومات أكبر للتقدم والازدهار.
ومن هنا، فإن نجاح أي تجربة ديمقراطية يظل مرهوناً بقدرتها على تمكين الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، وإعلاء قيمة الكفاءة بوصفها الأساس في تحمل المسؤولية. فالأوطان القوية تُبنى بالشراكة، وتترسخ مؤسساتها عندما يكون معيار الاختيار هو الكفاءة، ويظل العمل المخلص من أجل الوطن الجامع الأكبر لكل الطاقات الوطنية.