حين تتحول شعارات الإصلاح إلى غطاء للفساد

د. محمد صديق خوشناو

خلال سنوات عملي عضوًا في مجلس النواب العراقي، لم أكن أقرأ السياسة العراقية من صفحات الصحف، ولا أتابعها من خلف شاشات التلفاز؛ كنت داخل مطبخها، أرى تفاصيلها، وأسمع خطابها، وأتابع كيف تُصنع المواقف، وكيف تتقاطع المصالح، وكيف يمكن لشعار جميل أن يخفي وراءه واقعًا مختلفًا تمامًا.

ولعل أكثر ما يستوقف المرء في تجربتنا السياسية ليس وجود الفساد وحده، فهذه آفة عرفتها دول كثيرة، وإنما أن يتحول الحديث عن مكافحة الفساد أحيانًا إلى جزء من المشهد الذي يغذّيه.

شهدنا نوابًا يعلو صوتهم تحت قبة البرلمان وفي وسائل الإعلام، يتحدثون عن الديمقراطية والنزاهة والمال العام، ويطالبون بمحاسبة الفاسدين، حتى يخيل للمتابع أن العراق قد وجد أخيرًا حراسه الحقيقيين.

ثم تكشف الأيام أن بعض من كانوا في مقدمة الصفوف في الحديث عن النزاهة والإصلاح، ارتبطت أسماؤهم بملفات وشبهات فساد واستغلال نفوذ، ووصلت بعض القضايا إلى التحقيق والقضاء. وهنا ينبغي أن نكون منصفين: الاشتباه ليس إدانة، والاتهام ليس حكمًا، والقضاء وحده صاحب الكلمة الفصل.

لكن القضية أعمق من أسماء بعينها.

فالفساد لا يعرف حدودًا بين سلطة تشريعية وتنفيذية، ولا يتوقف عند باب البرلمان. وقد يتسلل إلى الوزارة والمؤسسة والهيئة والإدارة المحلية، حين تتقدم المحاصصة على الكفاءة، والمصلحة الشخصية على المصلحة العامة، والولاء السياسي على سيادة القانون.

وقد يكون السياسي الذي يرفع راية الإصلاح في المعارضة هو نفسه الذي يختبره الناس عندما يجلس على كرسي السلطة التنفيذية وهنا يظهر معدن الرجال.

فليس من الصعب أن تهاجم الفساد عندما يكون الفاسد خصمًا سياسيًا؛ الصعوبة أن ترفضه عندما يكون الفاسد حليفًا، أو قريبًا، أو صاحب نفوذ تحتاج إليه.

تلك هي اللحظة التي تنتهي فيها الشعارات وتبدأ النزاهة الحقيقية.

الديمقراطية ليست أن نستخدمها للوصول إلى السلطة ثم نضيق بها عندما تختلف معنا. والنزاهة ليست أن نكشف أخطاء الآخرين ونغض الطرف عن أخطاء المقربين. والرقابة ليست سلاحًا سياسيًا يُشهر في وجه الخصم، ثم يُعاد إلى غمده عندما تقترب شفرته من الحليف.

لقد تعلمت من تجربتي النيابية أن أخطر ما يهدد الدولة ليس الفاسد وحده، بل البيئة التي تمنح الفساد القدرة على الاستمرار، والثقافة التي تجعل الدفاع عن الشخص أقوى من الدفاع عن المؤسسة.

وحين يصبح المواطن مستعدًا للدفاع عن مسؤول لأنه ينتمي إلى حزبه أو قوميته أو منطقته، بدل أن يسأله عن أدائه ونزاهته، فإننا لا نكون قد حمينا الدولة؛ بل حمينا الخلل من المساءلة.

العراق لا يعاني نقصًا في الخطب والشعارات. سمعنا كثيرًا عن الإصلاح، ومحاربة الفساد، وبناء الدولة، وحماية المال العام. لكن المواطن لم يعد يريد مزيدًا من الوعود؛ يريد دولة يرى أثرها في حياته، ومؤسسات لا تخضع للأشخاص، وقانونًا لا يعرف المحاباة.

لذلك، لا ينبغي أن نسأل المسؤول عمّا قاله فقط، بل عمّا فعله عندما امتلك القرار.

لا تسألوا السياسي كم مرة تحدث عن النزاهة؛ اسألوه ماذا فعل عندما أصبح قادرًا على حماية المال العام.

ولا تقيسوا رجل الدولة بارتفاع صوته أمام الكاميرات، بل بقدرته على قول «لا» عندما يكون الخطأ صادرًا عن حزبه، أو حليفه، أو ممن يحتاج إلى دعمه.

فأصعب اختبار للنزاهة ليس أن تحاسب فاسدًا لا تحبه، بل أن تحاسب فاسدًا تحتاج إليه.

إن إصلاح العراق لا يبدأ بتغيير الوجوه وحدها، بل بتغيير القواعد التي تسمح للفساد أن يتكرر؛ بتقوية مؤسسات الرقابة والقضاء، وإعلاء شأن الكفاءة، وتجريم استغلال النفوذ، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل القانون أعلى من الحزب، والدولة أعلى من الأشخاص.

لقد آن الأوان لأن ننتقل من ديمقراطية الشعارات إلى ديمقراطية المساءلة، ومن نزاهة الخطاب إلى نزاهة السلوك، ومن دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات.

فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الذين يجيدون الحديث عن الإصلاح، بقدر حاجته إلى رجال ونساء يقبلون أن يكونوا أول من يخضع له.

فالدولة القوية لا تُبنى بالصوت الأعلى، وإنما بالقانون الأقوى؛ ولا يحميها من يرفع شعار النزاهة، بل من يمارسها عندما لا تكون هناك كاميرات.

قد يعجبك ايضا