ثامر خزعل العامري… جيولوجي النفط العراقي

محمد علي محيي الدين

يمثل الأستاذ الدكتور ثامر خزعل العامري واحداً من أبرز العلماء الذين أسهموا في ترسيخ المدرسة العراقية في علوم الجيولوجيا، ولا سيما في جيولوجيا النفط والبالينولوجي والجيوكيمياء العضوية. فقد جمع بين الباحث الميداني، والأستاذ الجامعي، والمشرف العلمي، والمخطط للمشاريع البحثية، حتى غدا اسمه مرجعاً علمياً لا يقتصر حضوره على الجامعات العراقية، بل يمتد إلى الأوساط الأكاديمية العالمية التي اعتمدت أبحاثه واستشهدت بها في أهم الدراسات المتعلقة بالنفط العراقي وجيولوجية المنطقة.

Screenshot

ولد ثامر خزعل العامري في بغداد عام 1947، ونشأ في بيئة علمية شجعته على التفوق، فأكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مدارس العاصمة، وتخرج في ثانوية الكرخ عام 1965. ومنذ سنواته الدراسية الأولى اتجه إلى دراسة علوم الأرض، مدركاً ما تمثله من أهمية بالنسبة للعراق الذي يعد من أغنى بلدان العالم بالثروات الطبيعية، فالتحق بكلية العلوم في جامعة بغداد، ونال شهادة البكالوريوس في الجيولوجيا عام 1969.
ولم يكتفِ بما حصله من علم، بل واصل رحلته الأكاديمية في أبرز المؤسسات العلمية العالمية. فقد ابتعث إلى بولندا، حيث حصل عام 1971 على الدبلوم العالي في الهندسة الجيولوجية لإنتاج واستكشاف الكبريت من الأكاديمية البولندية للمناجم في مدينة كراكوف، وهي دراسة انسجمت مع حاجة العراق آنذاك إلى تطوير قطاع التعدين، ولا سيما في مناجم الكبريت. ثم انتقل إلى المملكة المتحدة، حيث نال درجة الدكتوراه من الكلية الملكية في جامعة لندن عام 1980، متخصصاً في علم البالينولوجي وجيولوجيا النفط، وهما من أهم التخصصات التي يعتمد عليها الاستكشاف النفطي الحديث. ولم تتوقف رحلته العلمية عند هذا الحد، إذ حصل عام 1985 على شهادة خبرة متقدمة في الجيوكيمياء العضوية من أكاديمية العلوم السوفيتية في موسكو، ليجمع بين مدارس علمية متعددة انعكست لاحقاً في أبحاثه ومنهجه الأكاديمي.
بدأ حياته العملية جيولوجياً في منجم كبريت المشراق جنوب الموصل بين عامي 1970 و1975، حيث اكتسب خبرة ميدانية مباشرة في جيولوجيا المكامن المعدنية، قبل أن ينتقل إلى الحياة الجامعية التي وجد فيها فضاءً أرحب للبحث والتعليم. فالتحق بجامعة صلاح الدين في أربيل أستاذاً مساعداً منذ عام 1980، وشغل خلالها رئاسة قسم الجيولوجيا، كما تولى منصب معاون عميد كلية العلوم، وأسهم في تطوير برامجها الأكاديمية وإعداد كوادرها العلمية.
وفي عام 1992 عاد إلى جامعة بغداد أستاذاً في قسم الجيولوجيا، ليبدأ المرحلة الأهم في مسيرته العلمية، إذ ظل يعمل فيها حتى وفاته، وتولى رئاسة القسم بين عامي 1998 و2000، وهي فترة شهدت نشاطاً علمياً ملحوظاً على مستوى الدراسات العليا والبحث العلمي. ولم يكن دوره إدارياً فحسب، بل كان أستاذاً ملهماً أشرف على أكثر من خمس وعشرين رسالة ماجستير، وأكثر من خمس وعشرين أطروحة دكتوراه، تناولت موضوعات متنوعة في جيولوجيا النفط، والأنظمة البترولية، والجيوكيمياء العضوية، والبالينوستراتيغرافيا، والبيئة، وجيولوجيا الآثار، ونشأة النفط وهجرته وتجمعه.
ولعل أعظم ما يميز سيرته أن أثره لم يتوقف عند حدود ما أنجزه شخصياً، بل امتد عبر تلامذته الذين أصبح كثير منهم أساتذة في أقسام جيولوجيا النفط في الجامعات العراقية، فيما شغل آخرون مواقع علمية متقدمة في شركات النفط والمؤسسات البحثية داخل العراق وخارجه. وهكذا تحولت خبرته إلى مدرسة علمية متكاملة، أسهمت في إعداد جيل كامل من المختصين الذين واصلوا تطوير هذا الحقل الحيوي.
أما على صعيد البحث العلمي، فقد أنجز أكثر من مئة وخمسة وعشرين بحثاً نشرت في مجلات عالمية وعربية وعراقية رصينة، وأصبحت دراساته مرجعاً أساسياً في كثير من المؤلفات الحديثة، ومنها كتاب «جيولوجيا نفط العراق» الصادر عن دار النشر العالمية وايلي بالتعاون مع شركة النفط النرويجية Statoil، وهو ما يعكس القيمة العلمية لأبحاثه ومكانتها في المجتمع الأكاديمي الدولي.
كما حظي بثقة المؤسسات العلمية العالمية، فكان عضواً في هيئات تحرير واستشارة عدد من المجلات المتخصصة، من بينها مجلة جيولوجيا النفط البريطانية الصادرة عن دار وايلي، ومجلة العلوم الجيولوجية العربية الصادرة عن دار سبرنكر الألمانية، فضلاً عن عضويته في هيئة تحرير مجلة الدراسات النفطية التابعة لوزارة النفط العراقية، ومشاركته في اللجان العلمية الخاصة بالمجلات الجامعية، وهي مسؤوليات لا تُمنح إلا للعلماء الذين يحظون باعتراف دولي بكفاءتهم.
وشارك الدكتور العامري في عشرات المؤتمرات العلمية داخل العراق وخارجه، مقدماً بحوثه في بريطانيا، وروسيا، وإسبانيا، وماليزيا، وأستراليا، والولايات المتحدة، والنرويج، وبولندا، وليبيا، ومصر، واليمن، والسعودية، والإمارات، وسوريا، والأردن، وغيرها من الدول، وهو حضور يعكس مكانة الباحث العراقي في المحافل العلمية العالمية عندما تتوافر له البيئة المناسبة للإبداع.
وكان مؤمناً بأن الجامعة ليست مكاناً للتدريس فقط، بل مركزاً للإنتاج العلمي وخدمة المجتمع، لذلك أسهم في تنظيم مؤتمرات دولية مهمة في بغداد، منها المؤتمر الأول للبيئة عام 2004، والندوة الأولى لجيولوجيا نفط العراق عام 2010، والمؤتمر العالمي الأول لدراسات نفط العراق عام 2011، فضلاً عن الندوة الأولى لجيولوجيا الآثار بالتعاون مع الهيئة العامة للآثار، حيث قدم بحوثاً ربطت بين علوم الأرض والتاريخ العراقي القديم، وكشفت بالأدلة العلمية عن طبيعة البيئات التي عاش فيها الإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ وبدايات الحضارات.
ولم تغب خبرته عن المؤسسات التطبيقية، فقد تولى إدارة مكتب الاستشارات العلمية في كلية العلوم بجامعة بغداد، وعمل مستشاراً لشركة الاستكشافات النفطية في وزارة النفط، وأسهم في التخطيط لإنشاء مراكز متخصصة ببحوث النفط في جامعات بغداد والبصرة وبابل، كما كان من أوائل من أدخل البرامج الحاسوبية الحديثة والتحليلات الكيميائية المتقدمة في دراسة الاستكشافات النفطية، الأمر الذي أسهم في تحديث المناهج الجامعية وربطها بالتطورات العالمية.
وإلى جانب أبحاثه، خلّف ستة كتب باللغة العربية، هي: «المتحجرات العضوية الدقيقة»، و«أساسيات علم البالينولوجي»، و«البيئة القديمة»، و«جيولوجيا العصر الرباعي»، و«المواد العضوية الهيدروكربونية»، و«التتابع الطباقي الحياتي»، وهي مؤلفات أسهمت في سد نقص واضح في المكتبة العلمية العربية، وأصبحت مراجع معتمدة لطلبة الدراسات الأولية والعليا.
وقد نال تقديراً واسعاً لمسيرته العلمية، فحصل على عدد من الجوائز والأوسمة، من بينها لقب الأستاذ الأول من المؤسسة الأمريكية للسيرة الذاتية عام 1997، وجائزة التميز في النشر العلمي، وجائزة الأستاذ المتميز عالمياً من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وجائزة الأستاذ الأول على جامعة بغداد والجامعات العراقية، فضلاً عن وسام الرافدين للعلماء المشمولين بوسام التميز العلمي، وهي تكريمات جاءت اعترافاً بما قدمه من إنجازات أغنت البحث العلمي وأسهمت في خدمة المجتمع.
ولم يكن الدكتور ثامر العامري عالماً بارزاً فحسب، بل كان مثالاً للأستاذ المتواضع، واسع الثقافة، رقيق المعشر، كريم الأخلاق، يستمتع طلبته بالجلوس إليه كما يستفيدون من علمه. وكان حديثه يجمع بين المعرفة الجيولوجية، والاهتمام بالتاريخ العراقي، والوعي بالقضايا الاجتماعية، حتى أصبح بالنسبة إلى كثيرين مدرسة في العلم والسلوك معاً.
وفي الحادي عشر من أيار عام 2016، رحل الدكتور ثامر خزعل العامري، بعد مسيرة امتدت أكثر من أربعة عقود من البحث والتعليم والإبداع. غير أن رحيله لم ينهِ حضوره، فما زالت مؤلفاته وأبحاثه تُدرَّس، وما يزال تلامذته يقودون أقسام الجيولوجيا وشركات النفط ومراكز البحث في العراق وخارجه، ليبقى اسمه واحداً من أبرز أعلام الجيولوجيا العراقية في العصر الحديث.
وقد اعتمدت هذه السيرة على ما ورد في «موسوعة أعلام الجيولوجيا في العراق»، التي وثقت حياته العلمية ومناصبه وإنجازاته، إلى جانب ما أوردته المصادر الأكاديمية عن مؤلفاته وإسهاماته البحثية، وهي جميعها تؤكد أن الدكتور ثامر العامري لم يكن مجرد أستاذ جامعي، بل كان أحد البنّائين الكبار للمعرفة الجيولوجية في العراق، وصاحب أثر علمي سيظل ممتداً ما بقيت الدراسات النفطية والجيولوجية تتطور في الجامعات ومراكز البحوث.

قد يعجبك ايضا