بشار والنسق الجاهلي

د . صباح ايليا القس

 

على الرغم من ان الشاعر الاعمى بشار بن برد الذي عاش في بدايات العصر العباسي إلا ان البحث في شعره يعطينا صورة عن إتخاذه النسق الجاهلي أحيانا في انتاج قصائده ويعد ذلك في بعض الاحيان غريبا في أمره لاسيما والمسافة الزمنية بعيدة نسبيا والشعر عبر هذه السنوات قد اتخذ مسارات اخرى مبتعدا عن اساليب الشعراء الجاهليين.

فالجاهليون كانوا يفتتحون قصائدهم بوصف الديار والبكاء على الاطلال وهذا ما تشهده في اغلب قصائد المعلقات والمجمهرات والقصائد الطوال اذا تيسر لنا الاطلاع على دواوين الشعراء الجاهليين بشكل خاص .

ففي البكاء على الاطلال يقول بشار :

عافوا المنازل من نجدٍ وساكنه       فما دريت لأنّي طيِّةٍ عمدوا

وخلّفـــــوا لك أثارا مدعثــــــــــــــــــــــــــــــــــرة        ما حولها سيِّدٌ منهم ولا لَبَدُ

ومعنى ذلك ان الساكنين وفيهم الاحباب قد تركوا اماكنهم والشاعر يجهل اين توجهوا لكنهم تركوا آثارا مبعثرة تشير اليهم .

وقوله في الاطلال ايضا :

يا طلل الحي بذاتِ الصمْدِ        بالله حدِّثْ كيف كنت من بعدي

فاذا انتهى الشاعر من وصف الآثار وبكى عليها وتذكر الساكنين ينتقل الى وصف االرحلة لا سيما حينما يقصد شخصية معينة ليمدحها اعجابا بصفاتها او تقرّبا ومدحا قاصدا نيل ثمن مديحه ولا بدّ وهو في رحلته وهو يقطع الصحراء من الحديث عن الناقة فهم العليم بما تعانيه من جوع وعطش وصبر وتحمّل لا سيما ان المسافات ليست قصيرة والتعرض الى الحيوانات واللصوص امر ممكن .

بسبوح اليدين عاملة الرجل     مروح تغلو من الغلواءِ

هما ان تزور عقبة في الملك      فتروى من بحره بدلاءِ

هنا يصف الناقة وسرعة أرجلها للوصول الى الممدوح الذي سيكرمها بكثير من الماء والمقصود انه سيكرم وفادة صاحبها مثلما يكرمها .

التأثير الذي تركته القصيدة الجاهلية ليس بالامراليسير الابتعاد عنه لا سيما ان العقلية العربية تتشرف وتطرب الى الماضي وما يعنيه من نقاء ورجولة وكرم .. فالشاعر لم تكن ترعبه الاماكن ولا المسافات البعيدة للوصول الى القصدية اذ الامر يشتمل على أمرين ،اما الاول فهو القناعة بمن يقصده الشاعر لما يشتمل عليه من صفات الرجولة والشجاعة والكرم والسمعة الطيبة فالمدح يكون مستحقا ويصدر عن عفوية وقناعة واقتداء بما يتركه امثال هؤلاء في الذاكرة الجمعية .

اما الجانب الآخر فهو الطمع فيما عند الآخر من اموال بما يشجع الشاعر على المدح ووصف عذابات الرحلة وصعوبتها وقسوة الطبيعة والجوع والعطش للوصول الى الممدوح بعد رحلة التعب ولا بدّ ان يتصرف الممدوح بما يليق بمقدم الشاعر فيقوم بإكرامه والعناية بوفادته بشرط ان يكون الاكرام وافيا كافيا مقنعا وكما يقال ( الأجر على قدر المشقّة ) ..

اما اذا قلل الممدوح من قيمة الشاعر فربما يعمد الشاعر الى هجائه وفضحه بين القبائل فتقل قيمته وتتأثر منزلته وسمعته كما كان يفعل الحطيئة والشاعر الذي كان يخشاه الممدوحون ولن يتركوه يرحل حتى يرضى ..

قد يعجبك ايضا