فاضل ميراني*
يُفترضُ أن العلاقة بين العاصمتين علاقة لا ينظمها فقط دستور العراق الحالي، بل اشتراك واضعي مواد الدستور، فقد جمعت بين اكثرهم سنوات من العمل المشترك، و تفاهمات نضجّت فكرا للحكم ناجحا.
ليست الخلافات دوما سيئة، فهي اشبه بأعراض تشير لمرض بغية تشخيصه و علاجه، و المرض الذي هو ابتلاء، يحتاج فهما و صبرا و قناعة بالتداوي، و مثل هذا الامر الذي يصدق على الجسم يصدق ايضا على جسم السياسية، ففي جانب منه تكون السياسية من تخليق الاداء الانساني الفكري، و العملي ايضا، و هي اوضح وسيلة لكشف نوع و عمق التوجهات.
في التأطير الصحفي يتم اختصار الجهد السياسي في ملفات الخلاف او العالق من المسائل بين توجهين، الاقليم و بغداد على انه خلاف بغداد- اربيل، و للتاريخ، فإن بغداد التي هي فعلا العمق الواقعي لكوردستان بأعتبارها عاصمة الدولة الفيدرالية، كانت قبل ٢٠٠٣ عاصمة انتاج خلافات اقسى، و الامور لم تتأطر بصيغة اليوم، لا مدحا لليوم و لا ذما للامس، فتاريخ صراع بغداد مع الكورد و البارزاني الاب، و مع الجيل الثاني من رموز امتنا، يشترك مع الحاضر بنقطة و مع الماضي بنقطة، فأما مصدر النقطتين فهو العقل الحاكم الذي كان سابقا يبحث عن احداث تبعية عامة له، و اما العصر الحالي فبسبب اشاعة القرار السياسي قبل دراسة قواعد تنظيم العلاقات بين قوى معادلة الحكم القائمة على الفيدرالية.
اما النقطتان فهمها في جوهرهما و مطلبهما و ان صدرا من نظامين لكل صيغة حكمه الا انهما لا يكادا يختلفان الا من حيث مصدريتهما، وهي مصدرية فهم مغلوط للسلطة و في هذا شرح سيكون محايدا و موجزا، كان النظام السابق والذي على اساس افعاله و بموجبها تمت ازالته، كان نظاما عقائديا في الامن و السياسية و الميل العسكري، نظام له متبنياته و منطلقاته التي هي واحدة من امثلة كثيرة لانظمة الحكم في منطقتنا و غيرها، وهو نظام يهجّن النظريات في سبيل ترسيخ شرعيته، و حماية قراراته حتى التي يُحكم عليها بأنها قرارات مجرمة.
في ضوء تلك الاحداث و علاء وفق تبدلات السياسات الدولية، تم الخلاص الى قرار وضع حد لسريان مشروع انظمة بذاتها لم تعد مقبولة الاداء و المضمون عند الاسرة الدولية، بخاصة بعد ان فقدت تلك الانظمة كل او اغلب القبول الداخلي، فكان العراق هو افتتاحية تنفيذ ذلك القرار، و جرى ما جرى من امور ضمن مسلسل متتم لقرارات تقييدية عقابية.
تمكنت اربيل التي هي مختصر نضال و جهد الحركة التحررية الكوردستانية و ثقلها الحزب الديمقراطي الكوردستاني من تحويل حصيلة عملها السياسي من احداث تقدم كبير و تحد اكبر، فقد استثمرت كل الاوضاع التي صنعتها هي و صنعها غيرها سلبا و ايجابا، لوضع كوردستان على التنظيم التشريعي و القانوني و الاداري، فكان ان تأسس مجلس نيابي بعد انتخابات مهمة الاثر و التوقيت، و تشكلت حكومة ائتلافية تستحق و يستحق مجلس نوابنا الاول كثيرا من الدراسة و الشكر على مجهودهما في ادارة اكثر المساحات السياسية و الاجتماعية نكبة و تضررا، و لا يهمل و لا يصح ابدا عدم توجيه الشكر لامتنا و حراكها السياسي بكل تنوعاته على الوعي المبكر بمتطلبات تلك المرحلة التي تم فيها اختبار جدية تحول الاداء من المعارضة الى الحكم.
قد يبدو غريبا و مفيدا ان تكون كوردستان سياسيا و اداريا سباقة الى التجربة قبل باقي اجزاء العراق، اي ان الجزء سبق الكل، فالتجربة الكوردستانية من ١٩٩١- الى ٢٠٠٣، و مع عدم اغفال العين لا عن القتال الداخلي و لا عن الضغوط علينا و هي ضغوط خانقة، الا انها رسخت خبرات في الادائين السياسي و الاداري، و التفاهم المجتمعي، لم يرد كثيرون الاخذ بها لتجاوز محنة ما بعد ٢٠٠٣.
قبل استكمال مراد المقال، فلا بد من الاشارة الى اهمية مجموعة الحوارات التي حدثت قبل ايام، واقصد زيارة رئيس اقليم كوردستان لبغداد، زيارة رئيس الحكومة في كوردستان لبغداد و زيارة سياسية قمت بها مع وفد من حزبنا، و هي زيارات تفاهمية و تصحيحية و ترميمية لصيغ العمل الذي نهدف منه مصالح للعراق و شعب كوردستان.
من اخر مقطع من اعلاه اعيد هذا لسطر( مصالح للعراق و شعب كوردستان) و في الحقيقة فإن هذه المصالح تعرضت لضرر كبير لا نريده ان يبقى او يسير على نفس الدرب الذي تضرر به قبل ٢٠٠٣.
نحن لم و لن ندعي التمام لتجربتنا من حيث المنجز، مثلما ان تجارب الاخرين قد تكون ليست بدرجات مقبولة، وهنا لا يصح اهمال عوامل اعقاتنا من الاداء الامثل مثلما اعاقت غيرنا، لكننا لم نعمل يوما اي دور سلبي او تعمّدنا ذلك بالنسبة للعراق او لنا.
بصراحة ان معدن قضيتنا و تاريخها لا يخرج عن الحاجة الحيوية لدولة مواطنة، دولة حدود تمنع غلبة معتقد او تنظيم سياسي على مساحة المواطنة و الحقوق.
الفاصل الذي يحتاج ان يوضع بين بغداد و اربيل، و وفق نص و روح الدستور هو فاصل حيوي مفيد، سياسيا و تنفيذيا و قضائيا و قبل ذلك تشريعيا، بدل ان يكون فاصلا مشحونا بتصورات و ارادات و غايات.
*مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي
للحزب الديمقراطي الكوردستاني.