من البشر إنساناً

سمير ميراني

منذ فجر الوجود، كان البشر كسائر المخلوقات، تحكمها الغريزة وتقودها الفطرة العمياء، فأفسدوا وسفكوا كما تفعل كل الكائنات، حين تتبع طبيعتها دون وعي، فلما أراد الله أن يهب هذا المخلوق ملكة العقل، جادلت الملائكة ربها قائلةً( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)، لأنها رأت الماضي وحكمت منه، فجاء الرد الإلهي ( إني أعلم ما لا تعلمون)، كاشفاً عن غاية لم تبلغها الملائكة، وهي أن هذا المخلوق حين يُوهب العقل، لن يكون مفسداً كما كان، بل سيتحول إلى إنسان يحمل أمانة العقل ليعمّر الأرض لا ليفسدها.
خليفةً حقيقياً يبني ويرتقي، وبهذه الهبة الإلهية الربانية، انتقل هذا المخلوق من بشر تحكمه غريزته إلى إنسان تحكمه إرادته، ومن ثم لم يعد الشر قدراً محتوماً، بل صار خياراً مكتسباً، ومن أهمل عقله لم يخن نفسه فحسب، وإنما خان الغاية التي من أجلها تحول من بشر إلى إنسان، فكل إنسان بشر، ولكن ليس كل البشر إنسان.
الاختيار هنا هو جوهر المسألة كلها، فالإنسان الذي يعرف الشر ويُدرك مساراته ثم يختار الخير عن بصيرة، لا يكون خيراً فحسب، إنما يرتقي إلى مرتبة الفضيلة، لأن الفضيلة الحقيقية لا تقاس بغياب الإغراء، وإنما بالقدرة على مقاومته، مع القدرة على ارتكابه، أما من أختار الشر وهو يعلم، فقد تجاوز حدّ الضعف إلى حدّ الفساد، وهو أشد خطراً من فساد الجاهل، لأنه فساد بإرادة وقصد.
غير أنه ثمة ماهو أخطر من الشر الواعي، وهو الغباء، لا الغباء بمعنى انعدام القدرة، فالإنسان لا يولد غبياً، بل بعقل صالح للتفكير، لكنه أحياناً يتقاعس عن استخدامه، لأن التفكير يُتعبه، فيمنح هذه الخاصية لغيره طوعاً، ويرتاح في ظل من يفكر عنه، ويقرر بدلاً منه، وهذا التقاعس الإرادي عن العقل، هو الفاصل الحقيقي بين الذكاء والحكمة، وبين العقل والأخلاق، فقد يكون المرء ذكياً ويبقى أداة في يد غيره، لأن الذكاء بلا إرادة حرة لا يختلف كثيراً عن تعطيل العقل.
وحين يستفحل الغباء في الفرد، يتجاوز حدوده، ليسكن المجتمع بأكمله، فيغدوا المجتمع عبداً لماضيه ومروياته وأوهامه، يتوارث قيوده جيلاً بعد جيل، دون أن يسأل من أين جاءت، ولماذا بقيت، وهنا يجد المستبد أرضه الخصبة، لا يحتاج إلى قوة كبيرة حين يجد شعباً يُفضل الوهم المريح على الحقيقة المُتعبة، فيغذي تعطيل العقل بالأكاذيب والأوهام، ويجعل من عبوديته الطوعية شرفاً يدافع عنه.
والفساد لا يأتي دفعة واحدة، بل له خطوات يُمهّد بعضها لبعض، وهي بعينها ما حذر منه الرب حين قال ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان)، تبدأ بتعتيم البصيرة، ذلك النور الداخلي الذي إذا أطفئ فتح الباب لما بعده، فمن أطفئت بصيرته استسلم لرغباته الغريزية وهواه، ومن استسلم لهواه تضخم في داخله الغرور والكبر، ومن سكنه الكبر لم يجد أمامه إلا الهُمز واللمُز، يطعن في الآخرين إشارةً وكلاماً، ثم تتحول الطعنات إلى نميمة تُفرّق وتُفسد، وتتسع النميمة لتصبح غيبةً وتشهيراً يذيع في الناس، وفي نهاية هذه الخطوات لا يجد الإنسان ما يمسك به إنسانيته، لأنه فقد نفسه وخسر إرادته خطوةً خطوة، حتى استقرت العبودية في جوهره عادةً لا يستطيع منها فكاكاً، وكذلك خطوات الغباء، لا تبدأ بالعبودية بل بإطفاء نور البصيرة.
المجتمعات التي أوكلت عقولها لغيرها لم تفقد حريتها فحسب، بل فقدت الرغبة في استعادتها، الغباء انتصر، ولا داعي للمجاملة في تسميته، انتصر حين صفق الناس لقيودهم، وسموا عبوديتهم أصالة، وجهلهم حكمةً، وخوفهم تديّناً، والمستبد لا يحتاج إلى سجون عندما يملك شعباً يسجن نفسه بيده.
وفي هذا المشهد القاسي لا مكانة للمهادنة، لأن من لا يريد ماهو أكثر أماناً، إذا لم يكن صوته أكثر أماناً وأفكاره كذلك، هذا وحده يستحق أن يسمى حراً، أما الباقون فشركاء في الجريمة، شركاء بصمتهم، بقبولهم، بتفاهاتهم التي يتداولونها بدلاً من الأسئلة الحقيقية.
الخلاص ليس في انتظار من يمنحك حريتك، لأن من يملك منحها يملك سلبها، الخلاص في لحظة واحدة فقط، عندما تقرر أن تفكر، وتتحمل تبعات هذا التفكير، وتختار أن تكون إنساناً كامل العقل، في زمن يكافئ فيه نصف العقل ويعاقب الكامل، لأن الحرية لم تُمنح يوماً، إنما انتُزعت دائماً.

قد يعجبك ايضا