جاسم العقيلي
في عصر تتحول فيه ساحات القتال إلى فضاءات رقمية قبل أن تكون ميدانية، يصبح الذكاء الاصطناعي أداةً فاعلة في إدارة أعقد معارك البشرية معركة الوعي والإرادة .
لم تعد الحرب النفسية قائمة على الشائعات العابرة أو المنشورات المطوية، بل ارتقت إلى مصاف العلوم الدقيقة. فبفضل تحليل كم هائل من البيانات، باتت رسائل التضليل تُصمم بحرفية تنفذ إلى أعماق النفس البشرية، وتستهدف نقاط الضعف بدقة لا قبل للوسائل التقليدية بها .
اليوم، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينتج مقاطع فيديو لشخصيات بارزة تتخذ مواقف لم تصدر عنها يومًا، فيخلط بذلك الواقع بالافتراق. لكن الأخطر ليس في صناعة المحتوى المزيف، بل في توقيته. فالأنظمة الذكية لا تطلق الأكاذيب عشوائيًا، إنما تتربص باللحظة النفسية المناسبة التي يكون فيها المتلقي أكثر قابلية للتصديق، حين يكون العقل الجمعي في حالة انفتاح خطير على أي رواية .
وعندما تنجح هذه الآليات في هندسة واقع بديل، يتحرك الخصم وفقًا لقواعده، هنا تكون الحرب النفسية قد بلغت ذروتها: شل الإرادة، وبذر الفوضى، وفرض المعادلات دون استنزاف ذراع واحدة من الذخيرة
في زمن الذكاء الاصطناعي، لم تعد الحرب النفسية تُنتج أكاذيب يكتشفها العدو، بل تصنع حقائق موازية يُقسم عليها الخصم، ويموت في سبيلها مدافعًا عن وهم صنعناه له