مقال راي

الصوت المهمل العنصر الذي لا يكتب عنه أحد

مصطفى حسين الفيلي

حين نخرج من صالة السينما، غالبًا ما نتحدث عن القصة، عن أداء الممثل، عن الصورة أو النهاية. نختلف، نتحمس، ننتقد، لكن نادرًا ما يقول أحد «هل انتبهتم إلى الصوت؟». كأن الصوت عنصر ثانوي، حاضر فقط كي لا يسود الصمت، مع أنه في الحقيقة أحد أكثر العناصر قدرة على التلاعب بمشاعرنا دون أن ننتبه.

السينما تُعرَّف دائمًا بوصفها فن الصورة، لكن هذه الصورة وحدها عاجزة. من دون الصوت، تفقد الإيقاع، العمق، وحتى الصدق أحيانًا. ومع ذلك، بقي الصوت مهمَلًا في الكتابة النقدية، وكأنه عنصر تقني لا يستحق الوقوف عنده، لا لغة له ولا رأي.

الصوت في السينما ليس حوارًا فقط. هو تنفّس الشخصيات، وقع الخطوات، الفراغ بين جملتين، الضجيج الذي يسبق الانفجار، والصمت الذي يأتي بعده. أحيانًا، لقطة عادية يمكن أن تتحول إلى لحظة مؤثرة فقط لأن الصوت كان صادقًا، وأحيانًا أخرى تُدمَّر لقطة عظيمة بسبب موسيقى زائدة عن الحاجة.

المفارقة أن المتفرج يتأثر بالصوت أكثر مما يعي. الموسيقى تقوده عاطفيًا دون إذنه، والمؤثرات الصوتية تصنع الإحساس بالواقعية، حتى لو كانت مصطنعة بالكامل. ومع ذلك، نادراً ما نخرج من فيلم ونحن نناقش تصميم الصوت، أو نسأل لماذا اختير هذا الإيقاع؟ لماذا جاء هذا الصمت هنا؟

في السنوات الأخيرة، ومع هيمنة المنصات الرقمية، تراجعت قيمة الصوت أكثر. مشاهدة الأفلام على الهواتف، عبر سماعات رديئة أو مكبرات ضعيفة، جعلت الصوت ضحية مباشرة.

لم يعد يُصمَّم ليُعاش، بل ليُسمَع بالكاد. وهنا تكمن الخسارة الحقيقية فيلم صُنع بعناية صوتية يُشاهَد في بيئة تقتل نصفه.

الصوت الجيد لا يلفت الانتباه، وهذه مشكلته. عندما يكون التصميم الصوتي ناجحًا، يندمج بسلاسة، فلا يشعر به المتفرج. وعندما يفشل، يصبح فجأة واضحًا ومزعجًا. لهذا، لا يُكتب عنه إلا عندما يخطئ، لا عندما ينجح.

حتى الحوار، وهو أكثر عناصر الصوت وضوحًا، غالبًا ما يُعامَل بوصفه أداة نقل معلومات فقط. ننسى نبرة الصوت، التردد، الانقطاع، الهمس، الصمت بين الكلمات. أحيانًا، ما لا يُقال أهم بكثير مما يُقال، لكن الكتابة النقدية تركّز على الجملة لا على كيفية نطقها.

السينما العظيمة لا تُشاهَد فقط، بل تُسمَع. تُسمَع حتى وهي صامتة. الصمت نفسه قرار صوتي، وربما من أكثر القرارات جرأة. لكنه قرار لا يُحتفى به، لأنه لا يُرى.

ربما حان الوقت لأن نعيد الاعتبار لهذا العنصر المظلوم. أن نكتب عن الصوت كما نكتب عن الصورة، وأن نسأل: كيف جعلنا الفيلم نشعر بما شعرنا به؟ في كثير من الأحيان، الإجابة لن تكون في الكادر، بل فيما يحيط به، فيما يهمس في أذننا دون أن ننتبه.

الصوت ليس تابعًا للصورة، بل شريكها الخفي. والسينما التي تنسى صوتها، تفقد جزءًا من روحها.

قد يعجبك ايضا