برلمان كوردستان .. معركة كسر الصمت

صلاح بكر

​في قلب المشهد السياسي لـ إقليم كوردستان، ينتصب مبنى البرلمان شامخاً، لكنه يغرق في صمت غريب يمتد بثقله منذ أكثر من سنة وثمانية أشهر. هذا الصمت الطويل ليس مجرد غياب للأصوات تحت قبة المبنى، بل هو تعطيل متعمد لنبض شعب بأكمله ذهب إلى صناديق الاقتراع في انتخابات 2024 لينتزع حقه في الحياة والاستقرار. إن ورقة الناخب التي استقرت في الصناديق لم تكن مجرد تفويض عابر، بل كانت أمراً شعبياً قاطعاً بضرورة تشكيل سلطة تشريعية تسيّر شؤون المواطنين وتحمي مكتسبات الإقليم الدستورية. ولأن الپرلمان هو جسد الإرادة الشعبية، فإن الإسراع في اختيار هيئة رئاسة پرلمان كوردستان يمثل الخطوة الشرعية الأولى لكسر هذا الحصار، وبدون تفعيل دور هذا الصرح الدستوري، تظل حقوق المواطنين معلقة في فراغ المصالح الضيقة.

​إن تفعيل السلطة التشريعية في كوردستان هو الخطوة الأساسية لإيقاف التراجع القانوني والخدمي الذي يعاني منه الإقليم جراء هذا الشلل الحاصل. فمن خلال تفعيل الپرلمان، تفتح الأبواب لتشريع القوانين الحيوية التي تمس قوت المواطن وأمنه ومستقبل أطفاله. وفي هذا المنعطف التاريخي، برز الحزب الديمقراطي الكوردستاني كقوة قيادية تسعى جاهدة، وبكل الإمكانات المتاحة، لإنهاء هذا التعطيل الظالم، مستنداً إلى المبادرة الوطنية الشجاعة التي أطلقها الرئيس مسعود بارزاني لجمع الشمل وتفعيل پرلمان إقليم كوردستان دون قيد أو شرط، مقدماً المصلحة العليا على الخلافات السياسية.

​لكن في المقابل، يتكشف للعيان من يعرقل هذا المسار المصيري ويصر على إبقاء الپرلمان مكبلاً. وتحت مجهر التحليل العميق, يظهر التحالف المشبوه بين الاتحاد الوطني (اليكيتي) وحركة الجيل الجديد كعائق حقيقي هُندس خصيصاً لمنع تفعيل السلطة التشريعية في كوردستان. هذا التحالف، الذي يختبئ وراء شعارات الخدمة الزائفة، يمارس في الحقيقة عملية سلب منظمة لحقوق الناخبين. إن منع تفعيل پرلمان إقليم كوردستان بممارسة عمله الطبيعي ليس مناورة سياسية عابرة، بل هو واجهة لتعطيل مصالح الناس وإلحاق ضرر بالغ بحياتهم المعيشية، واعتداء علني على الممارسة الديمقراطية. وإزاء هذا الإجحاف المستمر منذ أكثر من عشرين شهراً، بات لزاماً على الشعب الكوردستاني الحُر أن يعي حجم المؤامرة، وأن يستعد لمعاقبة هذه الجهات المعرقلة في الانتخابات القادمة، رداً على ما تسببت فيه من أذى وهدر للوقت والاستحقاقات.

​لقد حان الوقت لتدرك جميع القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية أن مصلحة الشعب يجب أن توضع فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي ضيق. إن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض على الجميع الإقدام فوراً على تفعيل السلطة التشريعية أولاً وجعلها واقعاً قائماً، ومن ثم الجلوس على طاولة الحوار للتفاوض على كيفية تشكيل الكابينة الحكومية العاشرة، لينال كل طرف استحقاقاته السياسية والتنفيذية بعدالة، وبشكل يتناسب مباشرة مع حجم المقاعد التي حصل عليها كل حزب في انتخابات 2024. فالسلطة التشريعية ليست إرثاً حزبياً يُباع ويُشترى في سوق المساومات، بل هي ملك خالص للشعب تترجم إرادته الحرة.

​إن وعي الجماهير اليوم هو الصخرة التي ستتحطم عليها محاولات التغييب فالناس تعي تماماً من يسعى للبناء وتفعيل پرلمان إقليم كوردستان، ومن يصر على إبقاء الحصار على بوابته. الأوطان لا تُدار بالتعطيل، وحقوق الناس التي سُقيت بالتضحيات لن تظل رهينة لسياسات العرقلة، فصوت الناخب أقوى، وستنتصر إرادة الحياة في معركة كسر الصمت.

قد يعجبك ايضا