سعد الهموندي
في جلسة سابقة جمعتني بأحد الأصدقاء الأعزاء على قلبي—وهو دكتور فاضل في “مؤسسة رؤى”—كنا نتبادل أطراف الحديث والمزاح ، قلت له مداعباً: “كل قصير فتنة!”، فضحك وصحح لي بوقار العارف: “يبدو أنك لا تجيد نطقها بعد.. الصحيح هو: كل قصير فطنة”.
اليوم، وأنا أراقب المشهد العراقي المزدحم بالقرارات المتسارعة والإجراءات الجديدة التي تُطرح تحت لافتة “محاربة الفساد”، داهمتني ملامح ذلك الصديق العزيز، وقفزت إلى ذهني تلك المقاربة اللغوية الساخرة، وتساءلت بمرارة: هل ما نراه الآن هو “فطنة” سياسية صحت فجأة؟ أم أنه مجرد “فتنة” جديدة أُعيد إنتاجها بمقاسات مختلفة؟تاريخنا العراقي المحبوس في غرف الحواشي المظلمة يعلمنا أن التفريق بين الكلمتين في دهاليز السياسة هو الخيط الرفيع بين نجاة وطن أو غرقه.إن “الفطنة” الحقيقية تقتضي أن تكون القرارات الجديدة حاسمة، تقتلع جذور المحاصصة، وتهدم كارتيلات الفساد التي نخرت عظام الدولة، وتحطم الفلاتر البشرية التي تصنع فجوة هائلة بين المسؤول والشارع. الفطنة هي أن يدرك صاحب القرار أن أنين العراقيين من الفقر والبطالة وتردي الخدمات ليس “أجندة خارجية تضخمها السوشيال ميديا”، بل هو واقع يغلي تحت الرماد.أما إذا كانت هذه القرارات مجرد تصفية حسابات سياسية، ومحاولات لتخدير الرأي العام عبر التضحية بـ “الأسماك الصغيرة” لإنقاذ “الحيتان الكبيرة”، فإنها لن تكون سوى “فتنة” ومناورة تؤجل الانفجار ولا تمنعه. إنها إعادة تدوير لذات “سيكولوجية التخدير” التي أدمنتها الحواشي الفاسدة.إننا نتطلع اليوم، والآمال معقودة، على أن تحمل القرارات الجديدة الموعودة “فطنةً” حقيقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ قرارات شجاعة، عادلة، تلمس جيب المواطن وتعيد له كرامته المستباحة. ونبتهل إلى الله أن تكون هذه الخطوات جراحة واعية لاستئصال الأورام، لا مجرد مسكنات تخدير، “فطنة” تحمي البلاد والعباد، وليست “فتنة” جديدة تزيد المشهد قتامة، وتمزق ما تبقى من رمق في جسد هذا الوطن.تحية من القلب لصديقي الدكتور في مؤسسة رؤى، الذي أيقظتني دعابته القديمة على حقائق اليوم الكبرى..لقد صدقت يا صديقي؛ فالأوطان لا تبنى بطول القامات ولا بضخامة المواكب، بل بـ “فطنة” العقول التي ترى أنين الشعب قبل أن يرى العالم انفجار الشارع. ليت حكامنا يملكون تلك الفطنة، لنتجنب جميعاً فتنةً إن أقبلت أحرقت، وإن أدبرت تركتنا بلا وطن.