متابعة ـ التآخي
الحروب لا تنتهي فعليا بتوقف أزيز الرصاص، بل تبدأ عندها المرحلة الأصعب وهي التسويات(Settlements)، التي تهدف إلى تحويل حالة “اللاحرب” إلى “سلام مستدام، والتسويات بعد الحرب هي العملية القانونية والسياسية التي تلي وقف إطلاق النار، وتتضمن الاتفاق على ترتيبات تضمن عدم عودة الصراع.
وتأخذ التسويات عادة أحد ثلاثة أشكال: اتفاقيات استسلام يملي فيها الطرف المنتصر شروطه بالكامل. و معاهدات سلام مفاوضات رسمية تعالج جذور الصراع (الحدود، الموارد، الحكم). وثالثا، التسويات المفروضة دوليا: بتدخل من مجلس الأمن أو قوى عظمى لفرض منطقة عازلة أو حل سياسي.
وأغلب النزاعات التاريخية بمسار كلاسيكي اي وقف إطلاق النار كاجراء تقني لوقف القتل، لكنه لا يعني نهاية الحرب سياسيا. و الفصل بين القوات: إنشاء خطوط تماس أو مناطق منزوعة السلاح. و المفاوضات السياسية: البحث في القضايا العالقة (الأسرى، التعويضات، ترسيم الحدود).
ويجري السعي لتطبيق العدالة الانتقالية:التعامل مع جرائم الحرب والمصالحة الوطنية لضمان عدم تكرار العنف.
أمثلة من التاريخ الإنساني أ. معاهدة فيرساي (1919) – “سلام فاشل“أنهت الحرب العالمية الأولى، لكنها تُعد مثالا صارخا على “سلام المنتصر” الذي أذل المهزوم (ألمانيا). النتيجة:فرضت تعويضات مالية ضخمة واقتطاع أراضي، مما ولد شعورا بالانتقام لدى الألمان، وكان ذلك المحرك الأساسي لصعود النازية واندلاع الحرب العالمية الثانية
. ب. مشروع مارشال وتسوية ما بعد 1945 – “سلام بنائي“بعد الحرب العالمية الثانية، تعلم الحلفاء من خطأ فيرساي. بدلا من سحق ألمانيا واليابان، تم تبني إعادة الإعمار . النتيجة:تحولت القوى المعادية السابقة إلى حلفاء ديمقراطيين وشركاء اقتصاديين، مما خلق أطول فترة استقرار في أوروبا والشرق الأقصى.
ج. اتفاقية وستفاليا (1648) – “ميلاد الدولة الحديثة“أنهت حرب الثلاثين عاما في أوروبا (صراعات دينية طاحنة، الأهمية: أرست مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو المبدأ الذي يقوم عليه النظام الدولي الحالي حتى يومنا هذا. د. اتفاقية دايتون (1995) – “التسوية المفروضة“أنهت الحرب في البوسنة والهرسك بعد تدخل الناتو وضغط دولي مكثف. النتيجة: أوقفت المجازر وصنعت نظام حكم معقد يعتمد على المحاصصة، وبرغم نجاحها في منع الحرب، إلا أنها جعلت الدولة تعاني من شلل سياسي طويل الأمد.
العوامل التي تضمن نجاح التسوية الشموليةتتضمن عدم استبعاد أي طرف أساسي من المفاوضات. و العدالة الاقتصادية: إعادة الإعمار وتوفير فرص عمل للمقاتلين السابقين (الدمج والتسريح والضمانات الدولية: وجود قوات حفظ سلام أو مراقبين لضمان عدم خرق الاتفاق.
الحرب تكسر العظام، لكن التسوية هي التي تحدد كيف سيلتحم العظم؛ فإما أن يلتحم بشكل صحيح فيستعيد الجسد (المجتمع) عافيته، أو يلتحم بشكل مشوه فيظل الألم قائما وينتظر لحظة الانفجار.
نظريا وعمليا، هناك آليات لتحديد المسؤولية، التجريم، وفرض العقوبات والتعويضات، لكنها تصطدم دائما بتوازنات القوى السياسية وكيفية تحديد المسؤولية وتجريم “العدوان“ تتركز في القانون الدولي، يُعتبر “العدوان” (Aggression)جريمة كبرى وميثاق الأمم المتحدة يحظر صراحة استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
* المحكمة الجنائية الدولية (ICC): منذ عام 2018، أصبح بإمكان المحكمة ملاحقة القادة والمسؤولين عن “جريمة العدوان”، وهي التخطيط أو الإعداد أو الشروع في عمل عسكري ينتهك ميثاق الأمم المتحدة بشكل صارخ واذا جرى تحديد دولة ما كطرف معتدٍ، تلجأ المنظومة الدولية (غالبا عبر مجلس الأمن) إلى عدة أنواع من العقوبات ، عقوبات اقتصادية: تجميد الأصول المالية للدولة، حظر التصدير والاستيراد (كما حدث في العراق بعد 1990، أو العقوبات الحالية على روسيا). و عقوبات دبلوماسية: قطع العلاقات، الطرد من المنظمات الدولية، أو سحب الاعتراف بالتمثيل الدبلوماسي.
و عقوبات عسكرية: فرض حظر لتوريد الأسلحة، أو في حالات قصوى، التدخل العسكري تحت “الفصل السابع” لردع العدوان و مبدأ القانون الدولي ينص على أن “كل فعل غير مشروع يستوجب التعويض”. هناك أمثلة تاريخية شهيرة لتعويضات فرضت على دول: لجنة الأمم المتحدة للتعويضات (UNCC) هي المثال الأبرز في العصر الحديث، حيث أُنشئت بعد غزو الكويت عام 1990. أُلزم العراق بدفع 52.4 مليار دولار كتعويضات للأفراد والشركات والحكومات المتضررة، واستقطع ذلك من عائدات النفط العراقي لسنوات طويلة حتى اكتمال السداد في 2022.
تعويضات الحرب العالمية الثانية: ألمانيا دفعت مبالغ ضخمة لضحايا النازية وللدول المتضررة (مثل بولندا وإسرائيل)، واليابان قدمت تعويضات لدول جنوب شرق آسيا عبر اتفاقيات ثنائية. كما تجري محاكمة القادة (المسؤولية الفردية) لا يتم تجريم “الدولة” ككيان معنوي فقط، بل “الأفراد” الذين اتخذوا القرارمثل محاكم نورمبرغ وطوكيو: سابقة تاريخية لمُحاكمة قادة الدول المهزومة بتهمة “شن حرب عدوانية“.
* محكمة الجنايات الدولية ليوغوسلافيا السابقة: حاكمت قادة (مثل ميلوسوفيتش) على الجرائم التي وقعت أثناء الصراعات، ولكن تتواجد فجوة بين “النص القانوني” و”الواقع“برغم وجود هذه القوانيناذ أن تطبيقها يعاني من انتقادات كبيرة، أهمها: حق النقض للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن يمكنها منع أي عقوبات ضدها أو ضد حلفائها، مما يجعل “التجريم” أحيانا انتقائيا.
وكذلك “سلام المنتصر“: غالبا ما تُطبق العقوبات والتعويضات على الطرف “المهزوم”، بينما قد تفلت الدول القوية من المحاسبة القانونية المباشرة. وتضرر الشعوب: العقوبات الاقتصادية والتعويضات الضخمة غالبا ما تنهك معيشة المدنيين (كما في حالة نقص الدواء والغذاء والخدمات) بدلا من معاقبة “النخبة الحاكمة” وحدها.
التجربة العراقية
تجربة العراق تظل المثال الأبرز والأكثر قسوة في التاريخ الحديث على ما يسمى “العقوبات الشاملة” (Comprehensive Sanctions)، وكيف يمكن للعدالة الدولية أن تتحول إلى أداة ترهق الشعوب بدلا من محاسبة الأنظمة. لقد كشفت الحالة العراقية للعالم فجوة أخلاقية هائلة في منظومة الأمم المتحدة، حيث تحول “الحصار” إلى عقاب جماعي طال أدق تفاصيل حياة المواطن اليومية. مفارقة العقوبات: النظام ضد الشعب في التجربة العراقية، ظهرت عدة إشكالات جعلت من العقوبات سلاحا أعمى: ثبات السلطة مقابل تآكل المجتمع: بينما كانت العقوبات تهدف لضغط النظام سياسيا، أدت في الواقع إلى إضعاف الطبقة الوسطى وتحطيم البنية التحتية (كهرباء، ماء، صحة)، بينما ظل الجهاز السلطوي يمتلك الموارد والقدرة على المناورة.
تحطم المنظومة الصحية والتعليمية: نقص الأدوية والمستلزمات الطبية أدى إلى ارتفاع مخيف في نسب وفيات الأطفال وانتشار أمراض كانت قد انقرضت، فضلا عن تراجع جودة التعليم بسبب هجرة الكفاءات والفقر.
برنامج النفط مقابل الغذاء: برغم أنه جاء كحل إنساني، إلا أنه شابته الكثير من ملفات الفساد، وتحول المواطن العراقي بسببه من “منتج” في اقتصاد دولة إلى “متلقٍ للمعونة” في حصة تموينية قد تكتمل أو تنقص فهل تعلم المجتمع الدولي الدرس؟ (التحول نحو “العقوبات الذكية”)بسبب المأساة الإنسانية التي عاشها العراقيون في التسعينات، حدث تحول في الفكر الدولي حول كيفية فرض العقوبات، وبدأ الحديث عما يُعرف بـ “العقوبات الذكية” (Smart Sanctions): باستهداف النخبة: بدلا من حصار الدولة بالكامل، يتم تجميد أموال القادة والمسؤولين ومنعهم من السفر حظر السلاح فقط:التركيز على منع التقنيات العسكرية دون المساس بالمواد الغذائية والمدنية.
الاستثناءات الإنسانية الصارمة: ضمان تدفق الدواء والمستلزمات الأساسية من دون تعقيدات بيروقراطية. معضلة التعويضات يضيف عبئاتاريخيا؛ فالعراق استمر في دفع ثمن أخطاء تلك الحقبة حتى عام 2022. هذا يعني أن أجيالاولدت بعد عام 1990 بوعود “العراق الجديد” ظلت تدفع من ثروتها الوطنية تعويضات عن حروب لم تقرر خوضها ولم تكن طرفا فيها، انتجربة العراق أثبتت أن “تغيير السلوك السياسي” عبر تجويع الشعوب هو رهان فاشل أخلاقيا، لأنه غالبا ما يؤدي إلى تدمير النسيج الاجتماعي. ونتائجه كانت بزيادة الهجرة وتفريغ البلاد من عقولها. و خلق بيئة من اليأس قد تنتج تطرفا أو تزيد من معدلات الجريمة، ومشكلاتالشباب والبطالة.
الحصار لم يكن نقصا في الغذاء والدواء فحسب، بل كان عملية “تجريف قيمي ونفسي” شاملة.عندما يُسحق المستوى المعيشي للفرد لسنوات طويلة، تبدأ المنظومة الأخلاقية والاجتماعية بالتحلل تحت ضغط “غريزة البقاء”، وهذا ما يفسر الكثير من الظواهر التي نراها اليومبصدمة الأجيال فالآثار النفسية لا تتوقف عند من عاش الحصار، بل تنتقل عبر التربية والمناخ الأسري. الجيل الذي نشأ في كنف آباء مثقلين بالقلق الدائم من “تأمين لقمة العيش” ورث شعورا فطريا بعدم الأمان، مما يغذي حالات الكآبة واليأس التي تظهر اليوم في صورة ارتفاع معدلات الانتحار وتفكيك الروابط الاجتماعية. الحصار حول العلاقات من طابعها التكافلي التقليدي (العراقي المعروف بنجدته وكرمه) إلى علاقات نفعية اضطرارية. عندما يصارع الجميع من أجل البقاء، تضعف الروابط الأسرية والمجتمعية، وتظهر “الجرائم الغريبة” التي لم يكن يألفها المجتمع العراقي سابقا، والناتجة عن انفصام في الانتماء للمجموع.
ولكن جرى التطبيع مع “الاضطرار“بمعنى زوال الإحراج من بعض المهن؛ وبرغم أن هذا إيجابي في جانب “تقدير العمل”، إلا أنه في جانب آخر كان نتاجا لسنوات الحصار التي أجبرت الأستاذ الجامعي والمهندس على ممارسة أعمال هامشية للبقاء على قيد الحياة. هذا “الاضطرار” كسر التراتبية الاجتماعية التقليدية، لكنه ترك جرحافي الكرامة الشخصية لدى الكثيرين، تحول لاحقاإلى نقمة اجتماعية أو اغتراب نفسي وحدثتالفجوة الرقمية والهرب من الواقع في ظل هذا الإرث النفسي الثقيل، جاء “العصر الرقمي” ليكون مهربا ومنفذا في آن واحد. فالشباب الذين يعانون من تبعات الفقر الموروث وجدوا في الفضاء الرقمي وسيلة للكسب (المهن الجديدة) ولكن أيضا وسيلة للعزلة عن واقع مجهد، مما قد يفسر زيادة التعاطي أو الانخراط في سلوكيات رقمية غير منضبطة كنوع من التخدير النفسي.هل يمكن التعافي؟ إن معالجة هذه الآثار تتطلب ما هو أكثر من “تحسين الدخل”؛ إنها تتطلب:إعادة بناء الثقة: بين المواطن والدولة، وبين الأفراد وأنفسهم.
يجب القيام ببرامج دعم نفسي مجتمعية:تتجاوز العيادات التقليدية لتصل إلى المدارس ومراكز الشباب. و استثمار المهن الجديدة:تحويل “المهن الاضطرارية” إلى “فرص احترافية” مدعومة قانونيا ومجتمعيا لإعادة الاعتبار للعاملين فيها.
حتى في مجال الفن والثقافة حدثت حالة “الاغتراب الإبداعي”، حيث تنفصل النخبة المثقفة عن وجع الشارع، بينما يملأ الفراغ “فن” لا يكتفي بالهبوط، بل يساهم في تعميق التسطيح وتغييب الوعي.هذا الانكفاء الأدبي والفني له أسباب موضوعية ونتائج كارثية على عملية “التعافي المجتمعي” التي نحتاجها ومن ذلك انحسار دور “المثقف العضوي“، كان المثقف العراقي تاريخيا هو المحرك للتغيير والناقد للسلطة والمجتمع. اليوم، نجد أن كثيرا من الأدباء انحبسوا في “صالونات مغلقة” أو “غروبات” افتراضية، يتبادلون فيها المديح بعيدا عن أزمات الشباب، البطالة، أو آثار الحصار النفسية. هذا الانسحاب جعل الأدب يبدو وكأنه “ترف فكري” لا يعني الشاب الذي يبحث عن فرصة عمل أو يصارع الاكتئاب، وحدث التحول الى الفن الهابط كأداة “تخدير“ (سواء في الأغنية أو المحتوى الرقمي) وذلك ليس صدفة، بل هو نتاج طبيعي لانهيار الطبقة الوسطى التي كانت “فلتر” الذوق العام. هذا النوع من الفن يعزز قيم الاستهلاك السريع، والسطحية، والهرب من الواقع بدلا من مواجهته، مما يجعل “الجرائم الغريبة” وتفكك الروابط الاجتماعية أمرا يمر من دون وقفة نقدية حقيقية وحدث الامر أيضا مع الدراما والتمثيليات.. الغياب عن العمق بدلا من إنتاج أعمال تشرّح أزمات الهوية، أو توثق التحولات المهنية (مثل تقبل المهن البسيطة) وتدعمها دراميا، نجد أغلب النتاج يدور في فلك الكوميديا الهزيلة أو قصص مكررة لا تلامس جوهر المعاناة النفسية والاجتماعية التي خلفتها عقود من الحروب والعقوبات ووقعت تبعات ذلك على “إنقاذ المجتمع“ فعندما يغيب الفن الهادف والأدب الرصين، يفقد المجتمع “مرآته”. الفن هو الذي يمنح الناس القدرة على فهم آلامهم وتجاوزها (التطهير النفسي). غيابه يعني بقاء “العُقد النفسية” الموروثة من الحصار دون معالجة جمعية ، وترك الشباب فريسة لثقافة “التيك توك” السطحية التي قد تزيد من شعورهم بالدونية أو اليأس.
وتعزز فقدان القدوة أو “النموذج” الذي يمكن أن يلهمه الأدب للنهوض من الواقع المرير فهل يمكن للمقال والرصد الصحفي أن يسد الثغرة؟ ففي ظل نكوص الفن والأدب، تبرز الحاجة إلى كتابات تشرح للناس “لماذا نحن هكذا؟”، وتضع الأصابع على مواضع الخلل.