نبيل عبد الأمير الربيعي
تمر مائة عام على ولادة المؤرخ حنا بطاطو، أحد أبرز الأسماء التي تركت أثرًا عميقاً في كتابة التاريخ الاجتماعي والسياسي للعراق في القرن العشرين. لم يكن بطاطو مؤرخاً تقليدياً يكتفي بسرد الأحداث أو تسجيل الوقائع، بل كان باحثاً ينقب في طبقات المجتمع، ويعيد تفكيك البنى العميقة التي أنتجت التحولات السياسية والاجتماعية في البلاد.
ولد بطاطو في بيئة مشرقية متعددة التأثيرات، لكن مسيرته العلمية قادته إلى فضاء البحث الأكاديمي الغربي، حيث تشكّلت أدواته المنهجية الصارمة، القائمة على التحليل الاجتماعي الدقيق، والاعتماد على الوثيقة، والمقابلة الميدانية، والقراءة البنيوية للتاريخ. هذا المزج بين الحسّ الإنساني الشرقي والمنهج العلمي الغربي جعله أحد أكثر المؤرخين قدرة على الاقتراب من تعقيدات الواقع العراقي دون الوقوع في التبسيط أو التحيّز.

يعد كتابه (العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية- بثلاثة أجزاء) من أبرز أعماله، إذ قدم فيه دراسة موسعة عن تشكّل الدولة العراقية الحديثة، وتحولات الريف والمدينة، وبنية الطبقات الاجتماعية، وصعود الحركات السياسية المختلفة. وقد تميز هذا العمل بكونه لا يكتفي بوصف الأحداث، بل يسعى إلى تفسيرها ضمن سياقاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو ما منحه قيمة علمية استثنائية جعلته مرجعاً أساسياً في الدراسات العراقية الحديثة.
إن ما يلفت في تجربة بطاطو هو قدرته على الاقتراب من العراق بوصفه كياناً حياً مركباً، لا مجرد مساحة جغرافية أو سجل سياسي. فقد تعامل مع المجتمع العراقي باعتباره نسيجاً متداخلاً من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، حيث لا يمكن فهم السياسة دون فهم الريف، ولا يمكن قراءة الدولة دون العودة إلى جذور البنية الاجتماعية العميقة.
كما أن حياده العلمي النسبي، رغم حساسية الموضوعات التي تناولها، منح أعماله طابعاً خاصاً، إذ حاول أن يبتعد عن الخطابات الأيديولوجية الجاهزة، ليقترب من منطق التحليل العلمي البارد، حتى في أكثر القضايا سخونة. وهذا ما جعل كتاباته تقرأ اليوم بوصفها محاولة جادة لفهم العراق، لا للحكم عليه.
وفي السياق العربي، مثّلت أعمال بطاطو نقلة نوعية في دراسة التاريخ الاجتماعي، إذ أسهم في نقل البحث التاريخي من مستوى السرد العام إلى مستوى التحليل البنيوي، حيث تقرأ الظواهر السياسية باعتبارها نتاجاً لتفاعلات اجتماعية واقتصادية عميقة، لا مجرد أحداث منفصلة.
واليوم، وبعد مرور قرن على ولادته، لا تزال أسئلة بطاطو حاضرة في الدراسات الأكاديمية، كما لا تزال منهجيته تدرس كنموذج في الكتابة التاريخية الرصينة. وربما تكمن أهميته الحقيقية في أنه لم يقدّم (رواية واحدة) عن العراق، بل فتح الباب أمام قراءات متعددة، تستند إلى الفهم لا إلى الأحكام المسبقة.
إن استذكار حنا بطاطو ليس مجرد احتفاء بمؤرخ رحل، بل هو استعادة لطريقة في التفكير، ترى في التاريخ عملية فهم عميقة للإنسان والمجتمع، لا مجرد تسجيل لما حدث. ولهذا، يبقى حضوره حياً في كل محاولة جادة لفهم العراق وتاريخه الحديث، بوصفه بلداً تتداخل فيه الطبقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في نسيج شديد التعقيد.