أ.د.خليل مصطفى عثمان
في خضم التحديات السياسية الراهنة والمنعطفات التاريخية التي يمر بها العراق، تبرز اليوم فرصة ذهبية ونادرة أمام السيد علي الزيدي، المكلف بتشكيل الحكومة الفيدرالية الجديدة، لانتشال العملية السياسية من كبواتها وتصحيح مسارها الذي عانى طويلاً من الاعوجاج والتعثر.
إن هذه اللحظة الفارقة تتطلب شجاعة ورؤية رجل الدولة الذي يدرك أن قوة بغداد لا تكتمل إلا باستقرار أركانه، وفي مقدمتها إقليم كوردستان، الذي يمثل عمقاً استراتيجياً وشريكاً لا غنى عنه في صياغة مستقبل العراق الجديد.
إن بوادر هذا التصحيح بدأت تلوح في الأفق من خلال الزيارة المحورية التي قام بها السيد الزيدي إلى إقليم كوردستان، وما حظيت به من حفاوة واهتمام تمثل في استقباله من قبل الزعيم مسعود البارزاني، ورئيس الإقليم كوردستان السيد نيجيرفان البارزاني، ورئيس حكومة الإقليم السيد مسرور البارزاني. إن هذا اللقاء الرفيع لا يمكن قراءته إلا كخطوة واثقة في الاتجاه الصحيح، وإعلان صريح عن نية جادة لفتح صفحة جديدة قوامها الاحترام المتبادل والمصلحة الوطنية العليا، بعيداً عن سياسات التهميش أو الترحيل المزمن للأزمات.
إن جوهر التصحيح الذي ينتظره الشارع العراقي يكمن في بناء علاقة صحية ومستدامة مع إقليم كوردستان، تستند في مقامها الأول إلى التطبيق الأمين والدقيق للدستور العراقي، الذي يجب أن يكون هو الفيصل والرجعية الوحيدة لحل كافة الخلافات العالقة. فالعودة إلى النصوص الدستورية وتفعيلها بروح الشراكة الحقيقية سيؤدي حتماً إلى تذويب الجليد في الملفات الشائكة، ويحول العلاقة من صراع حول الصلاحيات إلى تكامل في الأدوار، بما يضمن حقوق الجميع دون استثناء.
علاوة على ذلك، فإن الرؤية العصرية لادارة الدولة تفرض على الحكومة المقبلة النظر إلى إقليم كوردستان كشريك فاعل وقوي في تنمية الاقتصاد العراقي، وليس مجرد ملف إداري أو مالي. فالتجربة الاقتصادية والعمرانية في الإقليم تمثل نموذجاً يمكن البناء عليه لدفع مسيرة التنمية في عموم البلاد، كما أن استقرار الإقليم وازدهاره يصب مباشرة في مصلحة استقرار بغداد والبصرة ونينوى، ويسهم في دفع عجلة الحراك السياسي والديمقراطي إلى الأمام، مما يعزز مكانة العراق في المحافل الدولية كدولة مؤسسات متماسكة.
وفي الختام، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق السيد علي الزيدي كبيرة، لكنها ليست مستحيلة إذا ما استثمرت هذه البداية القوية مع القيادة الكوردية لتحويل التفاهمات السياسية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن.
إن تصحيح المسار يبدأ بقرار جريء يضع الدستور فوق التوازنات المؤقتة، ويجعل من الشراكة مع إقليم كوردستان حجر الزاوية في بناء عراق مستقر ومزدهر، ليكون هذا العهد بداية لعصر يسوده القانون وتجمعه المصلحة الوطنية، وينتهي فيه زمن الأزمات المفتوحة لصالح الاستقرار الدائم.