أربيل مركز التوافق… وتشكيل الحكومة يبدأ من بوابة الحكمة

الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي

في لحظات التحول السياسي الكبرى، تتجه البوصلة دائماً نحو مراكز الثقل وصناعة القرار. واليوم، تتجه كل الأنظار إلى أربيل بوصفها عنوان التوافق وميدان الحوارات المصيرية، حيث تتقاطع الإرادات السياسية وتُرسم ملامح المرحلة القادمة. فليس خافياً أن تشكيل الحكومة الجديدة لم يعد مجرد استحقاق دستوري، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة القوى السياسية على تقديم مصلحة الشعب والاستقرار على ما سواهما.
لقد أثبتت التجارب أن الحكومات القوية لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل تُبنى بالتوافق والثقة والشراكة الحقيقية. ومن هنا، فإن نجاح أي صيغة حكومية يحتاج إلى غطاء سياسي جامع يطمئن الجميع ويمنح المرحلة المقبلة الاستقرار المطلوب. وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للرئيس مسعود بارزاني، بوصفه شخصية تمتلك رصيداً تاريخياً وثقلاً سياسياً قادراً على جمع الصف وتذليل العقبات وفتح أبواب التفاهم بين الأطراف المختلفة.
إن الحاجة إلى هذا الدور ليست مسألة شكلية أو بروتوكولية، بل ضرورة سياسية فرضتها طبيعة المرحلة وتعقيداتها. فالمشهد الإقليمي والدولي، والتحديات الاقتصادية والأمنية، ومتطلبات الاستقرار الداخلي، كلها عوامل تجعل من التوافق شرطاً أساسياً لا يمكن تجاوزه. ومن دون هذا التوافق، ستبقى أي حكومة معرضة للاهتزاز قبل أن تبدأ العمل.
اليوم، تتجه القوى السياسية نحو أربيل لأنها تدرك أن الحلول الواقعية تولد من طاولة الحوار، وأن الحكمة السياسية هي الطريق الأقصر لتجاوز الانسداد. إن المرحلة الحالية تتطلب شجاعة القرار، والقدرة على تقديم التنازلات المتبادلة، والإيمان بأن الشراكة ليست خياراً ثانوياً بل قاعدة أساسية للحكم الرشيد.
إن تشكيل الحكومة الجديدة يجب أن يكون بداية مرحلة مختلفة، عنوانها العمل المشترك وخدمة المواطن وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والسياسي. فالشعوب لا تنتظر صراعات جديدة، بل تنتظر خدمات وفرص عمل وأمناً وازدهاراً. وهذا لن يتحقق إلا عبر حكومة متماسكة تستند إلى توافق واسع ورؤية واضحة.
إن التاريخ يكتب اليوم فصلاً جديداً، والفرصة متاحة أمام الجميع لصناعة لحظة سياسية مسؤولة تؤسس لمرحلة أكثر استقراراً وثباتاً. فإما أن تنتصر لغة التوافق والحكمة، أو يبقى الانتظار سيد الموقف. والرهان الأكبر أن تكون أربيل مرة أخرى بوابة الحل وبداية الطريق نحو حكومة قوية تلبي تطلعات الشعب وتؤسس لمستقبل أكثر إشراقاً.

قد يعجبك ايضا