الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا
تضع التطورات الأخيرة في المشهد السياسي العراقي، والمتمثلة بتكليف علي الزيدي لتشكيل الحكومة الجديدة، العراق أمام اختبار مفصلي لا يحتمل أنصاف الحلول، خاصة مع الزخم الدولي المبكر الذي تجلى في اتصال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما يحمله هذا الاتصال من رسائل دعم مشروطة بالاستقرار الداخلي.
إلا أن هذا التكليف يصطدم بجدار من الأزمات المتراكمة بين بغداد وأربيل، والتي وصلت مؤخراً إلى مرحلة القطيعة السياسية بعد انسحاب وزراء ونواب الحزب الديمقراطي الكوردستاني، احتجاجاً على ما وُصف بـ “تآكل” أسس الشراكة والتوازن والتوافق التي بُني عليها العراق الجديد.
وفي هذا السياق، تكتسب الزيارة المرتقبة للزيدي إلى إقليم كوردستان خلال الأيام المقبلة، ولقاؤه المنتظر مع الرئيس مسعود بارزاني، أهمية استثنائية؛ كونها تمثل أول تحرك عملي لكسر الجمود السياسي، واعترافاً ضمنياً بأن مفاتيح الحل في بغداد تبدأ بالضرورة من التفاهم العميق مع المرجعية السياسية في أربيل.
إن نجاح الزيدي في العبور بحكومته نحو ضفة الاستقرار يتوقف بالدرجة الأولى على قدرته على اجتراح مقاربة سياسية مغايرة خلال لقاءاته في الإقليم، تتجاوز منطق “إدارة الأزمات” نحو “تصفيرها”.
وتبدأ هذه المقاربة من الاعتراف بأن الأزمة مع إقليم كوردستان ليست مجرد خلاف فني على أرقام الموازنة، بل هي أزمة ثقة بنيوية في العقد السياسي الاتحادي.
لذا، فإن أولى خطوات الحل تكمن في تحويل الالتزامات الشفهية التي سيناقشها مع الرئيس بارزاني إلى ضمانات قانونية ومؤسساتية، تبدأ بتشريع قانون اتحادي للنفط والغاز ينهي حالة “الارتجال القانوني” التي هيمنت على هذا الملف لعقود، ويضمن توزيعاً عادلاً وشفافاً للثروات بعيداً عن الاستخدام السياسي لورقة الرواتب كأداة للضغط المتبادل.
وعلى المسار السياسي، يواجه الزيدي تحدي إعادة الاعتبار لمبدأ التوازن في المؤسسات السيادية، وهو المطلب الذي طالما أكد عليه الحزب الديمقراطي الكوردستاني كشرط للعودة إلى العملية السياسية.
فانسحاب قوة كوردية فاعلة مثل الحزب الدیمقراطي الکوردستاني وهو صاحب أكثر من ملیون صوت، لم يكن مجرد تكتيك سياسي، بل هو انعكاس لخلل حقيقي في موازين القوى داخل مفاصل الدولة الأمنية والإدارية.
ومن هنا، يتوجب على رئيس الوزراء المكلف أن يطرح في أربيل رؤية شاملة تضمن مشاركة حقيقية للكورد وبقية المكونات في صنع القرار الاستراتيجي، بما في ذلك الملفات الأمنية والسياسة الخارجية، لضمان ألا تُحصر السلطة في لون سياسي واحد أو تحت رحمة قوى الظل التي تضعف هيبة الدولة الاتحادية.
علاوة على ذلك، يبرز الملف المالي كأكثر القضايا إلحاحاً، حيث يتطلب الموقف من الزيدي المرتقبة زيارته للإقليم فصل الاستحقاقات المعيشية لمواطني كوردستان عن الخلافات السياسية العالقة.
إن تحييد ملف “رواتب الموظفين” وجعله التزاماً سيادياً ثابتاً سيؤدي بالضرورة إلى تهدئة الشارع الكوردي وإعادة بناء جسور الثقة المفقودة مع السلطة المركزية.
وفي الختام، يمتلك علي الزيدي فرصة تاريخية، مدعومة بمناخ دولي يطمح لرؤية عراق مستقر، لكن هذه الفرصة تظل رهينة بما ستسفر عنه تفاهماته المباشرة مع القوى الكوردية.
إن عودة الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى طاولة القرار ليست مجرد “تكملة عدد”، بل هي صمام أمان لوحدة العراق، وإذا نجح الزيدي في ترجمة لقائه بالرئيس بارزاني إلى خطوات عملية تكرس الشراكة الحقيقية، فإنه سيضع العراق على سكة التعافي، أما الفشل في احتواء هذه الأزمة، فقد يعني الدخول في نفق مظلم لا تستطيع أي حكومة، مهما بلغ دعمها الخارجي، أن تصمد أمامه طويلاً.