من لاهاي إلى أربيل… لماذا يجب أن يقود إقليم كوردستان ثورة العلم الأخلاقي في العالم؟

فينوس بابان

في كل عام حين يقف العالم في التاسع والعشرين من نيسان ليحيي ذكرى ضحايا الحرب الكيميائية، وتفوح في أروقة المنظمات الدولية لغة القوانين والاتفاقيات لا يزال هناك هواء في جغرافيا كوردستان يرفض النسيان؛ هواءٌ تداخلت فيه يوماً رائحة التفاح الخادعة بسموم الغدر في حلبجة والأنفال، إن هذه المناسبة الدولية، التي أقرتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) رسمياً عام 2005، وتؤرخ لذكرى دخول اتفاقية الأسلحة الكيميائية (CWC) حيز التنفيذ عام 1997 ليست بالنسبة لنا كعراقيين وكورد مجرد سطر في التقويم العالمي بل هي شاهد حي على جريمة عصر صمت عنها العالم طويلاً، ليدفع الثمن لاحقاً في صراعات وحروب دولية معاصرة يشهدها عالمنا اليوم، حيث عادت طبول الحرب لتقرع مهددةً باستخدام أسلحة الدمار الشامل مما يثبت أن غياب العدالة الناجزة لضحايا الكورد جعل السلاح الكيميائي خياراً مغرياً في النزاعات المعاصرة نتيجة إفلات الجناة السابقين من العقاب.
إن التحليل الحقيقي لا يقف عند حدود الدمعة، بل يتجلى في معجزة الانبعاث الكوردي، فإقليم كوردستان لم يأتِ من فراغ بل هو كيان عُمّد بالدماء والتضحيات الجسيمة كـ طائر فينيق انبعث من الرماد ليحول مناطق الإبادة إلى مراكز للديمقراطية والتعايش السلمي ومن هنا يبرز المفهوم الأعمق للإصرار السياسي، فتمسك قيادة إقليم كوردستان وحكومته بالحقوق الدستورية والمكانة القانونية ليس مجرد موقف تفاوضي بل هو عهدٌ نابعٌ من مرارة المعاناة وحرص القادة على صون الضمانة الوحيدة التي تحمي الأجيال القادمة، إن هذه الاستحقاقات الدستورية ليست نصوصاً جامدة بل هي السياج الذي يمنع تكرار الإبادة فالتنازل عنها يعني ترك الأرض والإنسان بلا حماية قانونية أمام أي غدر مستقبلي وهذا ما يجعل الإصرار على الحقوق الدستورية في أربيل واجباً أخلاقياً وتاريخياً لا يقبل المساومة.
وفي هذا السياق يبرز استحقاقٌ وطنيٌ ملحّ يقع على عاتق الحكومة العراقية في بغداد، فبرغم أن كل تعويضات الأرض لا تساوي قطرة دم إلا أن إنصاف الضحايا هو اعتراف أخلاقي بمسؤولية الدولة تجاه جراحٍ شملت الكوردي في إقليم كوردستان، وصولاً إلى أقصى الجنوب حيث استُخدمت هذه الأسلحة الفتاكة في جبهات القتال بالبصرة وميسان وفي قلب الأهوار مطلع التسعينيات لقمع المعارضين وتدمير بيئتهم الفريدة، إن هذا الترابط في المأساة بين الجبل والهور يفرض على بغداد إنصاف الجميع (الكورد، العرب، الفيلية، التركمان، المسيحيين، الإيزيديين، والكاكائيين) إن كوردستان التي تلملم جراح العراقيين اليوم، تذكّر بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم وأن تعويض المتضررين وبيئتهم هو استحقاق مرتبط بالأمن الصحي والتغير المناخي العالمي الذي نعيشه في 2026 خصوصاً وأن السموم الكيميائية لا تزال تلوث التربة والمياه لعقود.
من هنا وأمام منظمة (OPCW) التي نالت جائزة نوبل للسلام عام 2013، أطرح هذه الرؤية كمبادرة أرجو أن تتبناها حكومة إقليم كوردستان كرسالة إستراتيجية للأمم المتحدة ومحكمة لاهاي وبغداد.. ضرورة تحويل هذه المناسبة إلى ثورة علمية وأخلاقية، يجب أن يطالب الإقليم برئاسة مؤتمر دولي سنوي يُعقد على أرضه تحت عنوان “أنسنة الكيمياء.. من الفناء إلى البقاء”، يترافق مع إنشاء قاعدة بيانات دولية للتوثيق الرقمي في كوردستان، توثق آثار الكيماوي الجينية والبيئية لتكون مرجعاً طبياً وعلمياً للعالم أجمع، إن استبدال وظيفة الكيمياء من أداة إبادة إلى أداة نفع في الطب والزراعة هو التكريم الأسمى للضحايا إن حق كوردستان في قيادة هذا الملف العالمي هو استحقاق مَن واجه الموت بصدور عارية، ليؤكد للعالم وللعراق أن قوة الإقليم وضمان حقوقه الدستورية هي الحصن الوحيد لكي لا تعود رائحة الموت لتخنق أحلام الأبرياء في أي بقعة من بقاع الأرض.

قد يعجبك ايضا