محمد لفته محل
عند كل يوم الأربعاء الساعة الثامنة والنصف مساءً يتجمع الرجال والأطفال في المقاهي وتتقرب بعض النساء من المقاهي، وتقل حركة الناس في الشارع استعدادا لسماع منولوج (عزيز علي) من الراديواالذي يسارع المستمعون إلى حفظ كلامه وترديده فيما بينهم. وفي حالة عدم إذاعة المنولوج في اليوم الموعود يشاع بين الناس أن (عزيز) مسجون أو ممنوع من البث، ذلك أن الناس تعتقد أن (عزيز) في كل مرة يذهب للإذاعة ومعه (يطقه/يطغه) فراشه استعدادا للسجن بسبب المنولوج الذي يفضح به الحكومة بعدما يخدع مدير الإذاعة بكلمات غير سياسية ثم يبدلها ساعة البث المباشر (لأن التسجيل لم متوفر بالإذاعة) بكلمات سياسية جارحة للحكومة. أما شباب اليوم (في القرن الواحد والعشرين) فمنهم من يعرف بعض منولوجاته المشهورة مثل (دكتور، عشنا وشفنا) دون معرفة اسمه وعهد منولوجاته لان كثير منها ينطبق على وضعنا الحاضر.
هذه صورة (عزيز) بالمتخيل الاجتماعي العراقي التي لم يحضى بها مطرب آخر وهي ظاهرة اجتماعية تستوقف النظر، لان (عزيز) لم يكن يخدع الإذاعة بكلماته، ولم يسجن إلا مرتين طوال عهد النظام الملكي، ودراسة هذه الإشاعات موضوع خصب اجتماعيا. فالسؤال كيف استطاع (عزيز) أن يجتذب هذا الجمهور الذي دينه يحرّم الغناء وصورة المغني اجتماعياً تقترن بالخمار والكاولي (الغجري) والمستخنث؟ ولماذا لم يحقق باقي القوالين مثل (علي الدبو) (فاضل رشيد) (حسين علي) مثلما حققه (عزيز) من اهتمام الجمهور الذي يشيع حوله الإشاعات؟
كل مستمع لمنولوجات (عزيز) يتفاجأ بقرب لغتها من العامية والحياة اليومية، ففيها الشتم والسخرية والضحك والتلميح، ف(عزيز) أسس منولوجاته على انتقاءه كلمات الناس العامية وأمثالهم وتلميحاتهم وسخرياتهم الشعبية وتوليفها في شعر ملحون قريب لكلام الناس وبثها على الإذاعة، وبذلك شعر الناس بوصول صوتهم للسلطة عبر إذاعتها، فكانت تلح عليه أن (إِﺤﭽﻲ) ووثق هذا الطلب بمنولوج مشهور بذات الكلمة. فصار (عزيز) بطل قال الحق في وجه السلطة، ولأنه لم يتأوه وينشغل بالغزل ولم يتكسب بمنولوجاته في الملاهي، فلم ينظر الناس إليه كمغني (صاحب الصورة السلبية اجتماعيا) فخصه بلقب (منولوجست) و(فنان الشعب) التي لم يحزها غيره. وبذلك استطاع أن ينفذ إلى القلوب. يقول (عزيز علي) أن الغناء ليس مجرد ميوعة ورخاوة عابثة، ينساب بشكل آهات والتواءات صوتية. فالغناء مرآة تعكس صور الحياة العامة في بلد المغنّي، تتجلّى فيها أماني شعب ذلك البلد. وآراؤه وميوله وأهدافه. ويقتضي الواجب علينا أيضاً أن ندعو إلى غناء يصوّر لنا وللنشء الجديد من أبنائنا حياتنا العامّة، بمشاكلها ومتطلّباتها، ويعبّر عن آمالنا وأمانينا في الحياة، غير الحب والغرام، وغير التأسي والتظلّم لهجر الحبيب. وهذا ما دعى انصار الزعيم (قاسم) في أول يوم له بالحكم (انقلاب 1958) باستدعاء (عزيز) إلى الإذاعة لإلقاء منولوج (نو) يعلن قيام عهد جديد وتخويله بالعمل بالإذاعة بعدها بسبب شعبيته الكبيرة لدى الناس، واعتبار منولوجاته من لوازم الثورة، وهذه حالة ملفتة لا تتكرر بسهولة لدى اي دولة عربية.
فصورة (عزيز) في المتخيل الاجتماعي تتسق كالتالي: انه رجل شجاع لأنه ينتقد الحكومة وهو في إذاعتها ويُسجن ويُمنع لكنه لا يخاف منها، ويعاود نقدها بصراحة بلغة الناس اليومية، وهذا الموقف له بعد ديني (قول كلمة حق بوجه سلطان جائر) وله بعد شعبي (ما يخاف من أحد) هذه البساطة والبسالة في القول، والعمق في المعنى، جعل شعبية (عزيز) تمتد حتى إلى المثقفين، وهو سبب استمرارية شعبيته إلى الآن. وحدثني بعض المسنين الذي كانوا صغارا في عهد منولوجات (عزيز) ان بعض الناس كانت تقول عنه انه (جاسوس) يخدع النظام الملكي به الناس، وبعض المسنين نعته (خل يولي هالماسوني) وهذا الجدل يصاحب كل شخصية مشهورة تقريبا.
في العهد الصدامي كان هناك اعتقاد لدى الناس أن منولوجات (عزيز) ممنوعة بسبب الخوف من النظام الذي ينطبق عليه نقد (عزيز) ولان بعض المعارضة في الخارج كانت تبث منولوجاته من إذاعاتها، ولان النظام اعتقله بتهمة الماسونية، وهذا ما حجم شعبيته وقتيا. في الحقيقة لم يكن ممنوع بالتسجيلات لكنه ممنوع من البث في القناة الرسمية للحكومة. لكنه عاد بقوة مع دخول الانترنيت عبر محرك (يوتيوب) بمنولوجاته المتوفرة وبذلك أصبح متاحا للجميع بعدما كان محصورا في التسجيلات الصوتية العريقة فقط. وفتحت صفحة له على (فيس بوك) (المنولوجست عزيز علي) وكتبت عنه عشرات المقالات، واحتفلت مواقع الكترونية بمئوية ميلاده. واذاعت القنوات الفضائية منولوجاته مجددا نتيجة تشابه اوضاع اليوم بالأمس فكان (عزيز) للشباب كأنه معاصر لهم، وكل الغناء الساخر الحديث لم يرتقي الى موهبته، والى الآن لم يظهر منولوجست بموهبة (عزيز) يسد الفراغ الذي تركه.
