سماح عادل
(كامل شياع) كاتب عراقي، ولد في بغداد يوم 5 شباط 1954، غادر العراق في 1979. استقر في مدينة (لوفان) البلجيكية في 1983، بعد إقامة قصيرة في الجزائر حيث عمل مدرساً للغة الإنكليزية، وإيطاليا التي نشر فيها قاموساً، إنكليزي- إيطالي- عربي، للمسافرين ورجال الأعمال. حصل على شهاد الماجستير في الفلسفة من جامعة (لوفان)الكاثوليكية عن أطروحته (اليوتوبيا كموقف نقدي) والتي حازت على درجة الامتياز.
عمل صحافياً خلال إقامته في مدينة (لوفان)، وكتب في مواضيع مختلفة لصحيفة (الحياة) اللندنية، ومجلة (الوسط) اللندنية، ومجلة (مواقف)الفصلية، ومجلة (الثقافة الجديدة) الشهرية الصادرة في بغداد، وراديو (في. آر. تي) الدولي – القسم العربي- بروكسل، وقسم التلفزيون الدولي لوكالة اسوشيتد برس (أي. بي. تي. إن) – بروكسل. عين مستشارا في وزارة الثقافة منذ عام 2003 وعمل مع ثلاثة وزراء تسلموا منصب وزير الثقافة.
تشظي المجتمع..
في حوار معه أجراه (مازن لطيف) يقول (كامل شياع) عن إعادة كتابة التاريخ وإعادة تقييم جديدة بعد التغيير الكبير الذي حدث في 2003: (من الصعب التفكير بكتابة التاريخ أو إعادة كتابته بالمعنى الحرفي للكلمة في هذه المرحلة المعقدة المليئة بالمفاجآت والمشحونة بالأفعال وبردود الأفعال لمختلف الأطراف السياسية التي تمتلك أحيانا صوراً وهمية عن دورها وحجمها ومشروعها. تاريخنا الآن في طور الصنع، وعلينا أن نعيش المرحلة قبل أن نفكر بكتابة تاريخها. الوضع السياسي الانتقالي والقلق والحراك الاجتماعي الشديد الموجود في البلد يعكس في عمقه تشظي المجتمع وحالة البلبلة العامة التي من مؤشراتها انعدام اللغة المشتركة بين أفراد المجتمع والجماعات والقوى، وبينها وبين الدولة الناشئة.
كل يبحث عن ضالته وفرصته ومصالحه المباشرة، أما شروط الحوار والتفاهم فأضعف بكثير من شروط الاختلاف والخصام. أمل أن تفضي هذه المرحلة الاستثنائية ولكن الضرورية إلى نقطة من الوضوح وانجلاء حقيقة البرامج السياسية، وزرع الثقة بين اللاعبين السياسيين وإيمان بالمشرع الديمقراطي والسبل المؤدية إلى تحقيقه. والديمقراطية ليست شعاراً يرفع، وإنما مبادئ والتزامات.
ينبغي أن لا نخشى كثيراً على الماضي لأنه معنا وفينا دائماً، وهو عصب وجودنا الذي لا يمكن قطعه. ولكن علينا أن ننظر إلى المستقبل، أي إلى ما لم يحدث بعد. فقيمة الحياة في المستقبل، القوى الأصيلة حقاً هي التي تحترم المستقبل، وتعمل من أجله وتضحي في سبيله. عكس ذلك نجده عند القوى المتطرفة والمتعصبة التي لا تريد التنازل عن صورة ما وهمية عن الماضي. في حين أن الحيود عن الماضي ليس إسقاطا له بل وسيلة لاسترجاعه على مستوى مختلف. يجب أن نذهب إلى الأمام ولا خشية على الماضي إذا خدم المستقبل).
الحراك الديني..
ويقول عن صورة المثقف العراقي العلماني عن الحراك الديني، وعن استسلام المثقف للوضع الذي هو فيه، ومدى قدرته على خلق مجتمع مدني: (الثقافة العراقية في تجربتها خلال العقود الستة الماضية تميزت بكونها ثقافة ذات منحى دنيوي علماني غالب. إنها ثقافة مدنية تأثرت بالأيديولوجيات السياسية الحديثة التي سادت في العراق وانحازت لآفاقها وعبرت عنها، مثلما خالفتها وتمردت عليها. وإجمالاً فإن تأثرها بالاتجاهات السياسية لم يأتِ دائماً من خلال مناصرتها للإيديولوجيات السياسية أو معارضتها لها، فهذه مسألة شكلية أو عابرة. جوهر الأمر أن النظرات الأيديولوجية الحديثة اجتذبت إليها الثقافة والفنون لوجود فكرة أو مخيال تاريخي يجمع بينها.
واعتقد أن من الخطأ إسقاط البعد الديني على البعد الثقافي. الثقافة تبحث في الموضوع الديني وتفكر فيه وتستلهمه على مستوى الرؤية والموضوع من خلال أعمال فنية وأدبية، لكنها غير ملتزمة بالضرورة بالإطار الديني للنظر لأن حقلها التجربة الإنسانية النابضة بالحس والخبرة الحية، والمشحونة بأسئلة الخيال والإبداع، والمتشكلة باللغة أو الصورة أو اللون أو الجسد، أي بأساليب تعبيرية.
ينبغي أن لاننسى إن الثقافة بوصفها مجموع النتاجات الفكرية والعلمية والفنية هي التي تصنع شخصية الشعب. المواطن العراقي مثلاً، يجد جزء أساسياً من ذاكرته التاريخية المعاصرة مجسدة في نصب كنصب الحرية للفنان جواد سليم، وأقصد المواطن الوسطي الذي يمتلك حدا معقولا من المعرفة بواقع مجتمعه وتاريخه. ما تفعله الثقافة في الواقع هو إيجاد فرص للتماهي بين الفرد ومجتمعه، ومن ثم صناعة ذاكرة مشتركة وهوية تجمع الشعب ضمن زمان ومكان فعليين أو رمزيين، وضمن فضاء تخيلي للواقع والتاريخ).
العنف والاغتيال..
في مقالة بعنوان (عبث العنف يغتال شياع) كتبت (إيمان حسين): (سقط الكاتب والباحث والمثقف العراقي الكبير كامل شياع قبل أيام على أيدي قوة ظلامية لا تعرف للإبداع والعطاء معنى، حاله كحال آلاف العراقيين الذين يسقطون بعبث العنف الذي يغلف الحياة في العراق. عاد شياع إلى أرض الوطن بعد سنوات مريرة من الغربة القاتلة كان يحلم خلالها بالعودة إلى بناء هذا الوطن بطراز خاص، وبعودته هذه أعطى أملا كبيرا للمثقفين العراقيين المغتربين كلهم في أرجاء المعمورة كافة، بأن موعد العودة بات قريبا جدا، ولكن هيهات في زمن أُستبيح فيه الدم والفكر العراقيين معا.
كان شياع يرفض استخدام حماية خاصة له، فكان يسير في شوارع معشوقته بغداد من دون تلك الحماية التي تلتف حول المسئولين في البلاد، وكان يقول باستمرار إنه ليس بحاجة لها لأن ليس له أعداء. إنه كامل شياع النزيه بكل معنى الكلمة إنسانيا وثقافيا، وإذا كان هناك من ينظر إليه بحقد فسينظر إليه لما يمثله من رمز، وحسب علمي ليس له عداوة شخصية إلا ربما تلك التي تستهدفه كمركز وموقع ونهج بالعمل لا أكثر من ذلك).
وتواصل: (قرر أن يتحدى الظروف والتحولات كلها التي يمر بها العراق، ولم يكن الوحيد من المثقفين العراقيين الذين كانوا في الخارج وعادوا إلى بغداد، واستمر يعمل فيها رغم ظروف العنف. كان يعمل في بناية وزارة الثقافة في شارع حيفا في عام 2006، وهو من الشوارع التي شهدت عنفا رهيبا، واستمر يعمل هناك.
وفي آخر مكالمة أجريتها معه قبل شهر تقريبا قال لي فيها «البقاء في العراق أمر محسوم بالنسبة لي، فلابد أن نسير مع التاريخ الذي يتحرك في العراق، ويجب أن نبقى معه إلى النهاية حتى يتعافى ويقف على قدميه من جديد». بهذه الكلمات أنهى مكالمته، لكنه لم يفكر أبدا أن الرصاصة كانت أقرب إليه).
وفاته..
اغتيل (كامل شياع) في 23 أغسطس 2008 فوق أرض طريق محمد القاسم (الخط السريع) بالقرب من شارع فلسطين، وهو من الشوارع المأهولة والذي يربط أهم شوارع العاصمة، ولا يخلو من مرور السيارات، غير أن القتلة استعملوا السلاح الجديد الذي دخل العراق حديثا، المدعم بكاتم الصوت.
