إعداد ـ التآخي
تعاني الديمقراطيات البرلمانية بشكل عام، والعراق بشكل خاص من تجاوز المدد الدستورية لتشكيل الحكومة، وذلك لا يعد مجرد إجراء إداري معطل، بل هو تعطيل للعقد الاجتماعي بين الناخب ومن يمثله.
عندما تغيب الحكومة الفاعلة، تتحول البرامج الانتخابية من “وعود قابلة للتنفيذ” إلى “حبر على ورق”. ومن اهم التأثيرات الجوهرية لهذا التأخير على البرامج الانتخابية ومطالب السكان، الشلل التشريعي والمالي (أزمة الموازنة)، ففي النظام العراقي، ترتبط القدرة على تنفيذ أي برنامج انتخابي ارتباطا وثيقا بقانون الموازنة العامة.
ويتمثل ذلك في تجميد المشاريع فمن دون حكومة أصيلة، لا تتواجد جهة تنفيذية تمتلك الصلاحيات الكاملة لإرسال مسودة موازنة طموحة أو تنفيذ مشاريع استراتيجية، وتظلالمشاريع السابقة معلقة، وتتوقف المشاريع الجديدة، مما يعني أن “البرنامج الانتخابي” الذي وعد بتغيير الواقع الخدمي أو الاقتصادي لا يجد التمويل المطلوب لبدء تنفيذه. ويحدث أيضاتآكل الثقة الشعبية (شرعية النظام)، اذ ان تأخير تشكيل الحكومة يرسل رسالة سلبية للناخبين مفادها أن “أصواتهم لم تغير شيئا“، وينشأ الإحباط السياسي، اذ يرى الناخب أن للصراعات الحزبية على المناصب والمكاسب أولوية تفوق بكثير مطالبه المتعلقة بالخدمات، وفرص العمل، ومحاربة الفساد، ويؤدي هذا الى عزوف مستقبلي، اذ يتبع هذا الشعور تراجع المشاركة في الانتخابات اللاحقة، مما يضعف شرعية العملية الديمقراطية برمتها، كما يجري إضعاف المؤسسات و تتحول مؤسسات الدولة إلى حالة “تصريف الأعمال”، وهي حالة تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية فالموظفون والوزراء في حالة تصريف الأعمال يتجنبون اتخاذ قرارات مصيرية أو إصلاحية، خوفا من المساءلة أو لعدم امتلاك الغطاء السياسي، كما ان بعضهم يستغل مدة تصريف الاعمال لتنفيذ “أيديولوجيته” السياسية بقرارات قد تكون خطيرة، ولا تقررها وتنفذها الا حكومة اصيلة وليست تصريف اعمال، ما يؤثر سلبا على قطاعات واسعة من السكان من دون مساءلة. وتزداد حالة الفوضى الإدارية والفساد، اذ تضعف الرقابة المركزية وتنشغل القوى السياسية بحصصها في الحكومة المقبلة بدلا من تقويم أداء المؤسسات الحالية.
ان البرامج الانتخابية عادة ما تعد بتحسين الاقتصاد وجلب الاستثمارات، والمستثمرون (سواء المحليون أو الدوليون) يتجنبون الدول التي تشهد “فراغا سياسيا” أو عدم استقرار في اتخاذ القرار، لأن غياب الحكومة يعني غياب الضمانات القانونية والمالية. ويؤدي التعطيل الى تجميد الإصلاحات، وتوقف الخطط الاقتصادية الجذرية التي تتطلب تشريعات (مثل إصلاح نظام الرواتب أو دعم القطاع الخاصوتحسين الخدمات، مكافحة الفساد، وتوفير فرص العمل)، ويحدث الانفصال بين مطالب السكان والواقع السياسي، ففي النظم البرلمانية، يُفترض أن تعكس الحكومة مطالب الأغلبية، وان التأخير يخلق “فجوة” كبيرة، ففي حين يطالب الناس (مثلا) بتوفير فرص عمل أو تحسين الكهرباء، تنشغل الكتل السياسية في “لعبة صفرية” (مكاسب للبعض تعني خسائر للآخرين). تتحول الأجندة الوطنية من “خدمة المواطن” إلى “إدارة الأزمة” والبقاء السياسي.
إن تأخير تشكيل الحكومة لا يؤدي فقط إلى تعطيل تنفيذ البرامج الانتخابية، بل يفرغها من محتواها، مما يحول العملية الانتخابية من أداة للتغيير إلى مجرد طقس سياسي لا يغير من واقع السكان في شيء. الاستقرار السياسي هو شرط مسبق لأي تنمية، ومن دونه تظل الوعود الانتخابية وعودا معلقة في انتظار اكتمال النصاب السياسي.
ان الوقت الذي يُهدر في التفاوض لتشكيل الحكومة هو وقت ضائع من عمر الدورة البرلمانية، مما يجعل تنفيذ البرامج الطموحة شبه مستحيل. والمواطن الذي منح صوته بناء على برنامج معين يشعر بالخداع، مما يؤدي إلى توسع فجوة الثقة بين الجمهور والطبقة السياسية.
“حكومة تصريف الأعمال” تفتقر إلى الصلاحيات الكاملة لاتخاذ قرارات استراتيجية، وتأخر الموازنة المالية يعني توقف المشاريع التنموية، وتضرر القطاعات الخدمية (الكهرباء، الصحة، البنية التحتية)، وهو ما يلمسه المواطن بشكل مباشر ويومي.
والنظم الانتخابية تعتمد على “العقد الاجتماعي” بين الناخب والمنتخب. عند تجاوز المدد الدستورية، يتحول النظام من “ديمقراطية إجرائية” إلى “أزمة تمثيلية”، ويقتنع الناخب بأن صوته لا يغير الواقع، مما يؤدي إلى تراجع نسب المشاركة في أي انتخابات مقبلة، وهو ما يضعف قاعدة التمثيل الشعبي. في غياب سلطة تنفيذية خاضعة للمساءلة البرلمانية الكاملة، تزداد سطوة المفاصل الإدارية غير المنتخبة (الوكلاء، المدراء العامون) وتتوسع شبكات المحسوبية والفساد بعيدا عن الرقابة، و يصبح الجهاز الإداري “دولة داخل الدولة” تخدم مصالح الأحزاب بدلا من خدمة الجمهور، و عندما يعجز النظام السياسي عن تلبية المطالب الأساسية (التي كانت محور البرامج الانتخابية)، يخرج الحراك من قاعات البرلمان إلى الشارع، فيتحول الاحتجاج من مطالب إصلاحية إلى مطالب وجودية (إسقاط النظام أو تغيير شكل الدولة)، مما قد يهدد السلم الأهلي والاستقرار الأمني.
التأخير في تشكيل الحكومة هو “إعدام بطيء” للبرامج الانتخابية، فالحكومة هي الأداة الوحيدة لتحويل “النصوص الورقية” للبرامج الانتخابية إلى “واقع ملموس“. من دون هذه الأداة، تتحول الانتخابات إلى مجرد تدوير للنخب السياسيةمن دون تغيير حقيقي في جودة حياة السكان.
تجارب الديمقراطيات
تعد ظاهرة “انسداد تشكيل الحكومات” تحدياواجهته دول عدة، لكن الفوارق تكمن في طبيعة النظام السياسي وقوة المؤسسات التي تدير الفراغ. العراق، بلجيكا، وإيطاليا تمثل نماذج متباينة جدا في هذا السياق.
في العراق، يرتبط تأخير تشكيل الحكومة بصراع على “شكل النظام” (أغلبية وطنية مقابل توافقية)، مما يجعل الأزمة تتجاوز مجرد اختيار الأسماء إلى أزمة وجودية للنظام. والشلل في العراق يكون كليا؛ لأن الموازنات والمشاريع الاستثمارية الكبرى ترتبط ارتباطا عضويابتواجد حكومة أصيلة، وغياب “الدولة المؤسساتية العميقة ” القادرة على تسيير الأمور بكفاءة بعيدا عن الصراعات السياسية، يبرز ازاءهالدولة العميقة للأحزاب الحاكمة ما يؤدي الى تعطيل المؤسسات.
وهنا يبرز دور المؤسسات المستقلة القوية فالنموذج البلجيكي يحمل الرقم القياسي العالمي في التأخير (أكثر من 500 يوم في مناسبتين). ومع ذلك، لم يتوقف تقديم الخدمات للمواطنين.فلماذا نجحت بلجيكا برغم التأخير؟ تمتلك بلجيكا نظاما إداريا (بيروقراطية) قويا جداومستقلا عن السياسة، كما أن النظام الفيدرالي يمنح الأقاليم صلاحيات واسعة تجعل المواطن لا يشعر بغياب الحكومة المركزية في حياته اليومية. وتجري تلبية مطالب السكان بفاعلية، اذ يجري تأجيل القرارات السيادية (مثل السياسة الخارجية)، لكن الخدمات العامة (الصحة، التعليم) تستمر بانتظام.
في النموذج الإيطالي الدولة مشهورة بعدم استقرار الحكومات وقصر عمرها، مما أدى إلى نوع من “التأقلم المؤسساتي”. السوق الإيطالي والبنك المركزي يمتلكان استقلالية تجعل الاقتصاد محميا جزئيا من الهزات السياسية.والتأخير هناك يؤثر على المكانة السياسية لإيطاليا في الاتحاد الأوروبي، لكنه نادرا ما يؤدي إلى انهيار أمني أو توقف الخدمات.
ووجه المقارنة بين العراق وتلك النماذج، فيالانموذج العراقي تسيير الخدمات يتأثر بشدة بتعطل الموازنات، اما الانموذج البلجيكي فان الخدمات مستمر بانتظام (قوة الإدارة)، وفيالانموذج الإيطالي الخدمات مستمرة (استقرار مؤسساتي)، وفيما يتعلق بالاستقرار الأمني في العراق يرتبط مباشرة بتشكيل الحكومة، في ببلجيكا محمي بالقانون والمؤسسات، في إيطاليا مستقر (دولة مؤسسات) البرامج الانتخابية في العراق تصبح حبرا على ورق وتفقد قيمتها، في بلجيكا تتحول إلى تسويات تقنية لاحقا، في إيطاليا يجري تنفيذ الحد الأدنى عبر الائتلافات، سلطة تصريف الأعمال في العراق ضعيفة ومقيدة قانونيا ويستغل بعض الوزراء مواقعهم المؤقتة لتنفيذ اجنداتهم التي قد تكون مضرة بالمجتمع، في بلجيكا قوية وتمتلك صلاحيات واسعة وفي إيطاليا مقننة وواضحة الصلاحيات.
العراق هو الأكثر تضررا
بخلاف النماذج الأوروبية، يعاني العراق من التداخل بين العمل السياسي والوظيفة العامة. في أوروبا، الموظف العام (التكنوقراط) يخدم الدولة بغض النظر عن الحزب الحاكم، بينما في العراق، غالبا ما يجري “تسييس” المناصب الإدارية، مما يجعل الوزارات تتحول إلى جزر معزولة تابعة للأحزاب في أثناء مدة الفراغ الحكومي. هذا الفارق الجوهري يعني أن تأخير الحكومة في العراق ليس مجرد “أزمة سياسية”، بل هو أزمة معيشية مباشرة تمس خبز المواطن وأمنه.
أن الأزمة في العراق مزدوجة (إدارية ودستورية)؛ فالعراق يعيش حالة من “الانسداد المركب” حيث يعطل الدستور السياسة، وتعطل السياسة الإدارة. معضلة “تسييس الإدارة” (المحاصصة الوظيفية) عندما تخضع الهيئات الإدارية والدرجات الخاصة للمحاصصة، تتحول المؤسسات من “أدوات خدمة عامة” إلى “أدوات نفوذ حزبي”. وفي مراحل تأخير تشكيل الحكومة، تصبح هذه الهيئات مشلولة لأنها تنتظر الأوامر السياسية، ولا تملك استقلالية اتخاذ القرار الفني. الحل المؤسساتي يتمثلبتفعيل “مجلس الخدمة الاتحادي” بشكل كامل وحقيقي ليكون هو البوابة الوحيدة للتوظيفوالترقية بناء على الكفاءة (Meritocracy) وليس الولاء الحزبي، مما يضمن استمرار عجلة الدولة حتى في ذروة الأزمات السياسية. وهناك “الألغام الدستورية” وتفسيراتها فالدستور العراقي الحالي كتب في ظروف استثنائية عام 2005، وترك مساحات رمادية واسعة تحولت مع الوقت إلى “ألغام” تنفجر عند كل استحقاق انتخابيومن ذلك تفسير “الكتلة الأكبر” والجدل الذي يتجدد دائما حول هل هي الكتلة الفائزة في الانتخابات أم الكتلة التي تتشكل داخل البرلمان،هذا الغموض هو المحرك الأول للتأخير. نصاب الثلثين: اشتراط حضور ثلثي أعضاء البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية (الذي يكلف بدوره رئيس الوزراء) منح الأقلية السياسية قدرة على التعطيل (الثلث المعطل)، وهو ما يحول الديمقراطية من حكم الأغلبية إلى “رهينة للتعطيل”.
الجدل قائم في المجتمع بشأن “تعديل الدستور” أم “تغيير النظام؟ المطالبة بتغيير الدستور أو النظام الانتخابي تعكس الرغبة في الانتقال من حالة “الجمود” إلى “الحركية”. هناك ثلاثة مسارات يجري تداولها في الأوساط البحثية والسياسية: المسار الإصلاحي (تعديل المواد)بالتركيز على المواد (76 و70) المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية والكتلة الأكبر لضمان سلاسة انتقال السلطة ضمن المدد الدستورية. وهناك المسار الجذري (تغيير النظام)، بالدعوة للتحول من النظام البرلماني (الذي يعتمد على ائتلافات هشة) إلى النظام الرئاسي أو شبه الرئاسي، اذ ينتخب رئيس السلطة التنفيذية مباشرة من الشعب، مما ينهي الابتزاز السياسي في أثناء تشكيل الحكومة. وهناك طريق المسار الانتخابيبالعودة إلى الدوائر المتعددة أو القائمة المنفردة لضمان صعود قوى مستقلة تكسر احتكار الكتل التقليدية، وهو ما جرب جزئيا في 2021 وأنتج نتائج مختلفة، لكنه اصطدم لاحقا بواقع التحالفات.
إن بقاء الدستور من دون تعديلات جوهرية وبقاء الإدارة تحت سطوة المحاصصة يعني أن سيناريو انتخابات تشرين 2025 سيتكرر في كل دورة انتخابية مقبلة. المواطن لم يعد يكتفي بصناديق الاقتراع؛ هو يبحث عن “مخرجات” هذه الصناديق في حياته اليومية. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن النخب التي تقتات على “نظام الغنائم” أو المحاصصة نادرا ما تتنازل عن امتيازاتها طوعا؛ لأن أي إصلاح حقيقي (سواء كان إداريا بفصل الوظيفة العامة عن الحزب، أو دستوريا بتبسيط إجراءات تشكيل الحكومة) يعني تقليصا مباشرا لمساحات نفوذها وقدرتها على المناورة.
من هنا، يصبح الضغط الشعبي ليس مجرد خيار، بل هو “المحرك الوحيد” المتبقي لكسر حالة الجمود. ولكن، لكي يكون هذا الضغط حاسما، فإنه عادة ما يتخذ مسارات استراتيجية تتجاوز مجرد التظاهرات، و بدلا من المطالبة بتغيير أشخاص، يركز الضغط الشعبي الواعي على مطالب تقنية يصعب الالتفاف عليها، مثل، حصر التعيينات في الدرجات الخاصة بمجلس الخدمة الاتحادي، و الضغط باتجاه تعديل “مادة الكتلة الأكبر” دستوريا لتكون واضحة لا تقبل التأويل، و المطالبة بقانون انتخابي يقلل من قدرة الكتل الكبيرة على الهيمنة المطلقة. ان الضغط في الشارع بحاجة إلى “غطاء بحثي وقانوني”، والنخب الأكاديمية والباحثين يفترض ان يؤدوا دورا جوهريا في صياغة بدائل دستورية وقانونية جاهزة، بحيث عندما يصل الضغط الشعبي لذروته، تكون هناك “خارطة طريق” واضحة لا تمنح الطبقة السياسية فرصة للتسويف بحجة “عدم تواجد بدائل” وكانت الفرصة مواتية في احتجاجات تشرين 2019..
ويتواجد هنا أيضا سلاح “الشرعية الدولية والداخلية” فعندما تتجاوز المدد الدستورية أوقاتا قياسية، تبدأ الشرعية القانونية للحكومة والبرلمان بالتآكل. الضغط الشعبي يستثمر هذا “الفراغ في الشرعية” لإحراج القوى السياسية أمام المجتمع الدولي، والأهم من ذلك، أمام جمهورها الذي بدأ يلمس أثر هذا الفشل في نقص الخدمات الأساسية وتفاقم الأزمات الاقتصادية.
الاحتجاج المطلبي، وهو الذي ينفجر نتيجة تدهور الخدمات (مثل أزمات المياه والكهرباء وغيرها)، وهو ضغط سريع التأثير لكنه قد يكون مؤقتا، اما الاحتجاج السياسي الهيكلي، الذييطالب بتغيير “قواعد اللعبة” برمتها (الدستور والنظام الانتخابي)، هذا النوع هو الذي تخشاه القوى السياسية لأنه يهدد وجودها. ويبقىالرهان على قدرة هذا الضغط الشعبي على تنظيم نفسه وتحويل “الغضب” إلى “مشروع سياسي” قادر على فرض إرادته؛ فالتغيير في النظم المعقدة كالعراق غالبا ما يأتي من “الخارج” (أي من خارج أروقة البرلمان والحكومة) بل حتى من خارج البلد، ليفرض إيقاعه على “الداخل”.