عواصم في دائرة الاشتباك والنار

مصطفى طارق الدليمي

استيقظت المنطقة العربية على واقع جيوسياسي جديد ومرعب تجاوز كل الخطوط الحمراء والتوقعات الحذرة بعد أن تحولت المواجهة المباشرة بين ايران واسرائيل إلى ما يشبه حرباً إقليمية مفتوحة، ما عادت ساحاتها محصورة في نقاط التماس التقليدية فالقصف المتبادل الذي بدأ بين الطرفين تمدد سريعاً ليطال عمق دول الخليج العربي في مشهد غير مسبوق منذ عقود حيث تعرضت منشآت ومواقع حساسة في قطر والإمارات والعراق والبحرين وصولاً إلى العمق في المملكة العربية السعودية. هذا التحول الخطير لا يعني فقط توسع رقعة الحرب انما يشير بوضوح إلى انهيار ما كان يعرف بنظرية “تحييد الجغرافيا العربية” عن صراعات القوى الكبرى لتصبح المنطقة مرة أخرى ساحة مفتوحة لصراع الإرادات والنفوذ.

إن استهداف دول الخليج في هذا التوقيت المتزامن مع التصعيد العسكري بين طهران وتل أبيب يكشف عن تحول استراتيجي في إدارة المعركة فبعد سنوات من الحروب غير المباشرة انتقلت المواجهة من “ساحات الوكالة” إلى “جبهات الأصالة” حيث أصبحت البنية التحتية للطاقة والممرات الاقتصادية الحيوية أهدافاً محتملة في معادلة الردع المتبادل ويرى مراقبون أن إدخال دول الخليج في دائرة النار يهدف إلى الضغط على مفاصل الاقتصاد العالمي خصوصاً أن هذه المنطقة تمثل القلب النابض لإمدادات النفط والغاز في العالم ما يجعل أي تصعيد عسكري فيها تهديداً مباشراً للاستقرار الاقتصادي الدولي.

غير أن المشهد يصبح أكثر تعقيداً حين ننظر إلى موقع العراق في قلب هذه المعادلة المتفجرة فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وحدوده الطويلة مع إيران وبسبب وجود مصالح وقواعد عسكرية دولية على أراضيه يجد نفسه مرة أخرى في منطقة رمادية شديدة الحساسية لقد أصبح المجال الجوي العراقي ممراً للصواريخ والطائرات المسيّرة فيما تتصاعد المخاوف من أن يتحول البلد إلى ساحة إضافية لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى المتصارعة وهذا السيناريو يعيد إلى الأذهان سنوات طويلة دفع فيها العراق ثمناً باهظاً نتيجة تحوله إلى مسرح للصراعات الإقليمية والدولية.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه العراق اليوم لا يتمثل فقط في المخاطر الأمنية المباشرة بل في كيفية حماية سيادته ومنع أراضيه من الانزلاق إلى معادلة الحرب فالدولة التي ما زالت تعيد بناء مؤسساتها بعد عقود من الحروب والصراعات الداخلية تجد نفسها أمام اختبار سياسي وأمني معقد كيف تحافظ على التوازن في علاقاتها الإقليمية وفي الوقت نفسه تمنع تحويل أراضيها إلى منصة لتصفية الحسابات؟

إن أي انزلاق أمني داخل العراق لن يكون شأناً محلياً فحسب انما سيعني توسيع دائرة الحرب في الشرق الأوسط بشكل غير مسبوق وفي خضم هذا المشهد المضطرب تبرز أسئلة جوهرية حول مستقبل السيادة العربية ومصداقية النظام الدولي فأين تقف الاتفاقيات الأمنية والتحالفات العسكرية في لحظة تتعرض فيها أجواء دول عربية لانتهاكات صاروخية متكررة؟ وكيف يمكن تفسير هذا الصمت الدولي النسبي إزاء تصعيد قد يهدد واحداً من أهم ممرات الطاقة في العالم؟

إن وصول ألسنة الحرب إلى الخليج العربي لا يمثل مجرد تطور عسكري عابر بل يضع العالم أمام معادلة خطيرة تتداخل فيها السياسة بالطاقة والاقتصاد بالأمن
إن المنطقة اليوم لا تواجه حرباً محدودة يمكن احتواؤها بسهولة انما تعيش لحظة مفصلية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات في الشرق الأوسط لعقود مقبلة وفي قلب هذه اللحظة يقف العراق البلد الذي يعرف جيداً معنى أن تتحول الجغرافيا إلى ساحة صراع ولذلك فإن حماية العراق من الانزلاق مجدداً إلى دوامة الحرب ليست مسؤولية بغداد وحدها بل مسؤولية إقليمية ودولية أيضاً لأن سقوط العراق مرة أخرى في فوضى الصراعات سيعني اتساع الحريق ليشمل المنطقة بأكملها.

إن المخرج الوحيد من هذا المسار الخطير يكمن في موقف عربي أكثر تماسكاً ووضوحاً يرفض تحويل الأرض العربية إلى صندوق بريد للصواريخ المتبادلة فاستمرار القصف واستهداف دول المنطقة لن يبقى صراعاً ثنائياً بين دولتين بل سيصبح حرباً تهدد الاستقرار العالمي بأسره وفي زمن تتساقط فيه الصواريخ فوق العواصم يبدو أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط عسكرية بل هي معركة من أجل السيادة والاستقرار ومستقبل شعوب المنطقة التي لم تعد تحتمل حرباً جديدة فوق ركام الحروب القديمة

قد يعجبك ايضا