د.حسام ممدوح
بينما كان أعضاء أحد النوادي الاجتماعية الكبيرة في العراق يصوتون على رفع بدل الاشتراك السنوي في النادي الذي ينتمون له لـ(10) ملايين دينار بدل مليونين في العام. كان عناصر من الأمن في محافظة البصرة يطاردون بالعصي والهراوات عدداً من الخريجين -حملة شهادة الهندسة- المتظاهرين والمطالبين بالتعيين الحكومي مقابل أجر قد لا يتجاوز الـ(500) ألف للشهر الواحد.
هذا المشهد المتناقض في حقيقته يعكس الحالة التي يعيشها العراق اليوم، وهو يختزل بحوث ودراسات عدة تحاول رسم خريطة للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للعراق. أما في الخلفيات، فهناك العديد من الحقائق التي يمكن من خلالها ترجمة هذا المشهد بشكل أكثر تفصيل، لكن بواقع يصعب تفسيره أولاً وسيكون من الأصعب معالجته بالوسائل التقليدية.
والبداية من عالم السيارات، إذ تشير الإحصائيات إلى أن العراق اليوم واحد من أكبر أسواق السيارات في المنطقة. فوفقاً لإحصائيات وزارة التخطيط ومديرية المرور العامة فإن التقديرات للعام 2025 تشير إلى أن العراق ينفق سنويًا ما بين (4-6) مليارات دولار على استيراد السيارات وقطع الغيار.
فيما يقدر عدد السيارات المسجلة في العراق بأكثر من (8-9) ملايين مركبة، في بلد يبلغ عدد سكانه نحو (45) مليون نسمة، بما يعادل سيارة لكل (5–6) مواطنين، وهو رقم كبير مقارنةً بمستوى الدخل في العموم وعدد النفوس في العراق.
وبالانتقال من عالم السيارات لعالم العقار، فلك أن تتخيّل أن العقار في العراق بات ينافس في أسعاره العقارات في دول تصنيفها متقدم جداً على مستوى العالم كـ(السويد)، فوفقاً لبيانات وزارة الإعمار والإسكان للعام 2025، فإن سعر المتر في بغداد في المناطق متوسطة المعيشة تراوح بين (1500-3000$)، فيما قد يصل سعر المتر في مدن سويدية خارج العاصمة إلى (4000$)، وبطبيعة الحال فإن هذا السعر مرتفع جداً إذا ما قورن بمتوسط الدخل للمواطن العراقي وبحجم وطبيعة الخدمات الأساسية المتوفرة في العراق اليوم والتي تعاني من نقص حاد.
ومن عالم العقار لعالم الاحتياجات الأساسية للفرد كالغذاء والملابس، فالأسرة العراقية تنفق قرابة (30-35%) من معدل الدخل على الطعام، وهو رقم مرتفع جداً إذا ما قورن بما ينفق من قبل الأسرة في أوروبا، والذي لا يتجاوز الـ(12-15%) من عموم دخل الأسرة.
طبعاً جزء مهم من هذا الإنفاق يذهب في مجال الإنفاق على الأكل في المطاعم لاسيما في المناطق الحضرية، إذ تشير إحصائيات وزارة التخطيط للعام 2025، إلى أن (8-10%) من إنفاق الأسرة في هذه المناطق يتجه للإنفاق على المطاعم.
وبطبيعة الحال فإن هذا الأمر يجرنا للحديث عن اقتصاد المطاعم في العراق والذي بات أحد أكثر القطاعات الاستهلاكية نشاطاً في الأعوام الأخيرة، إذ تشير التقديرات إلى أن اقتصاد المطاعم والكافيهات في العراق يتراوح في العراق اليوم بين (8-12) مليار دولار سنوياً، وهو رقم كبير جداً مقارنةً بمتوسط دخل المواطن العراقي وعدد نفوسه.
أمام الأرقام المتضخمة لاقتصاد السيارات والعقارات والمطاعم سنجد أرقاماً مخيفة، فمثلاً تشير وزارة التخطيط العراقية في احصائيات العام 2025، إلى أن هناك (15-20%) من السكن في العراق اليوم يمكن تصنيفه بـ(العشوائي) بما يشغل (4000) تجمع سكني عشوائي.
كما أن الوزارة تؤكد على أن (20%) من المواطنين العراقيون يعيشون تحت خط الفقر، تقاربها نسبة من يعانون الأمية من الشعب العراقي والذين تقدر الإحصائيات نسبتهم بين (12-15%).
وبوضع نسب وأبواب الإنفاق في العراق أمام أرقام ومؤشرات الواقع فإننا سنكتشف بسهولة أننا نعيش تبايناً كبيراً بينهما، فهذه الأرقام ليست أرقاماً مجردة وإنما مؤشرات حقيقية لواقع شديد الإنقسام شبيه بالصورة التي ذكرناها في مقدمة مقالنا وتنذر بتصادم طبقي حاد بين طبقات الشعب.
هذه الصورة أسهم في ترسيخها اقتصاد العراق الريعي القائم على بيع النفط وضخ الواردات في السوق عبر رواتب موظفي القطاع العام أو نفقات الرعاية الاجتماعية مع عدم تأسيس قطاع انتاجي حقيقي ما خلق اقتصاداً استهلاكياً بالكليّة.