من هم الكورد الفيليون

 

الاستاذ عبد الواحد الفيلي

الجزء (1)

معنى كلمة الفيلي (الپيلي)

الفيلي كلمة امتزجت دلالاتها بالتاريخ والثورة والشجاعة فأخذت معناها من كل ذلك.. فقد جاءت كلمة البيلي في المخطوطـات السومرية القديمة بمعنى المحارب أو الشجاع.. واللغويون يؤكدون أن حرف (پ) كانت تستعمل في اللغات القديمة بدلا من الحرف (ف) كما أن المستشرق الإنكليزي كرزون يذكر في الصفحة 1892 من المجلد الثاني من كتابه التاريخي أن كلمة الفيلي تعني الثائر والمتمرد ويؤيده في ذلك المستشرق هنري فليد في الصفحة 98 من كتابه العلمي القيم (معرفة الأجناس الآرية) وبناء على ما تقدم فكلمة الفيلي (پيلي) هي قديمة بقدم تواجد هذه الشريحة وهي تدل على معان متقاربة في الماضي والحاضر: الثائر؛ الشجاع؛ المتمرد. والظاهر كما أمكن استنتاجه من التاريخ أن هذه الشريحة العريقة كانت في صراع بطولي دائم ضد المظالم والاعتداءات التي يتعرضون لها. إلا انهم وكما يستدل من معنى الكلمة ما كانوا يستكينون على ضيم فاستحقوا بذلك هذا اللقب – الفيلي – عن جدارة تامة.

    من هم الكورد الفيليون تاريخيا

الكاشيون هم الأصول الأولى للكورد الفيليين أطلق عليهم الساميين اسم (كاشي؛ كيشي؛ كوشو) واليهود يسموهم (كوشي) في كتبهم القديمة إلا أن علماء الآثار كانوا يدعونهم باسم (كاسي – كاساي – كاسيت) وليس هناك شك بأنهم من أعرق القبائل التي سكنت سلسلة جبال زاكروس والتي كانت موطنها الأصلي منذ آلاف السنين قبل الميلاد.

 

 

في عام 1746 قبل الميلاد وبعد ان تمكن الملك الكاشي (الفيلي) گانداش من تحقيق اتحاد الكاشيين مع القبائل الزاكروسية الأخرى كالگوتين واللولويين؛ وتقدم على رأس جيش كبير من أفراد القبائل المتحدة وتمكن من فتح بابل والقضاء على الحاكم البابلي وسمي بملك الأقاليم الأربعة وأستمر حكمه زهاء 16 عام. بعد وفاة (گانداش) تولى الملك (ئي گاميل) الحكم وقد تمكن هذا الملك من القضاء على دولة سومر في عام 1710 قبل الميلاد وضم بلادها الى حكمه وبعد هذا الإنجاز بفترة قصيرة أعلن أحد الأمراء الكاشيين ويدعى (اولام پوریاش) الثورة وتمكن من عزل (ئي گاميل) واستلام مقاليد السلطة بدلا عنه. وبعد أعوام قام الملك الكاشي (أوگوم) الثالث وهو ابن اخ (اولام پوریاش) بفتح اخر قلاع السومريون وسمى البلاد التابعة له والتي شملت سومر وأكد أيضا باسم (كاردونياش) وهذه التسمية مركبة من ثلاث كلمات وهي (كارد + ون + ياش) ومعناها (كورد + صفة الجمع + الارض او البلاد) وتحت هذا الاسم استمر الكاشيين (الكورد الفيليين) باقتدار وعظمة في الحكم مدة تقارب ستة قرون منذ عام 1746 وحتى 1171  قبل الميلاد وقد كانت حدود إمبراطوريتهم تمتد حتى سواحل البحر الأبيض المتوسط  وهي بذلك كانت أوسع من حدود دولة حمورابي بكثير وقد كان الكاشيون خلال هذه الاعوام من حكمهم مثالا للعدالة والإنسانية فهم لم يعملوا على صهر الشعوب والأقوام التي كانوا يسيطرون عليها كما لم يحاولوا تحويل البابليين الى كاشيين وكانوا يختارون المسؤولين والموظفين الحكوميين من بين الشخصيات الكاشية والبابلية دون أي تمييز كما انهم كانوا يتزاوجون مع البابليين أيضا وقد عثروا مؤخرا على الكثير من الرسائل السياسية والتجارية باللغة (المسمارية – البابلية _والهيروغليفية _ المصرية) المتبادلة بين الكاشيين وفراعنة مصر في خرائب تل العمارنة من بين آثار فراعنة مصر وهي اليوم موجودة في المتاحف المصرية .

من هم الكورد الفيليين

 

 

يقطن الكورد الفيليون منذ زمن بعيد (بقدم تواجدهم) في الجنوب الشرقي من كوردستان (شرق العراق الحالی) أي الضفاف الشرقية لنهر دجلة وبالتحديد المنطقة الممتدة من كركوك وشمال خانقين الى مدينة البصرة جنوبا. للكورد الفيليين لهجتهم الخاصة المشتقة من اللغة الكوردية ويعتبرها الكثيرون بانها اساس اللغة الكوردية او الجذور الاصلية للغة الكوردية؛ ورغم ادعاءات الحكومات العراقية المتعاقبة على عربية او فارسية الكورد الفيليين الا ان عددا من المستشرقين امنوا واقتنعوا بكوردية الفيليين ومن هؤلاء المستشرقين جون فالكهوم وكرزون ولورية وهاسل وهنري فليد وغيرهم.

ويسكن الكورد الفيليون المناطق التالية في العراق والتي هي ارضهم منذ الاف السنين وهي كما يلي:

خانقين؛ كلار؛ كفري؛ جلولاء؛ سعدية (قزل رباط)؛ المقدادية (شهربان)؛ بلدروز؛ مندلي؛ بعقوبة؛ الكوت؛ النعمانية؛ الحي؛ بدرة؛ زرباطية؛ جصان؛ علي الشرقي؛ باقسايه؛ علي الغربي؛ شيخ سعد؛ الكميت؛ العمارة.

بالإضافة الى ان انتشارهم في المدن التالية:

بغداد؛ السليمانية؛ اربيل؛ كركوك؛ الكوفة؛ النجف؛ كربلاء والبصرة. اضافة الى نسبة ضئيلة اخرى تعيش في بقية المحافظات والمدن العراقية الأخرى. هذا عدا أقسام من العشائر المهاجرة في فترة من الفترات من المناطق الفيلية الى المناطق الاخرى من كوردستان والتي تعيش حتى يومنا هذا في تلك المناطق نفسها مع الاحتفاظ ببعض عاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم بسبب وجودهم داخل شريحة اكبر. ومنهم على سبيل المثال قسم من قبيلة:

(الزنگنة) في (كركوك) وقسم من قبیلة (الكلهور) في منطقة (شهرزور) في (السليمانية) وفي منطقة (قوشتبه) في (اربيل) وجزء من قبيلة (الهماوند) في (چمجمال) وقسم من قبيلة (الشوهان) في منطقة (شوهان) في اطراف  (كركوك) وقسم من قبيلة (اللك) في (اربيل و طقطق) وقبيلة الشبك في اطراف الموصل؛ هذا عدا (الگورانيين) اللذين يتوزعون في منطقتي بهدنيان وسوران وينتمي الكورد الفيليين الى (29) قبيلة وعشيرة من مجموع (46) قبيلة في انحاء العراق فمنها على سبيل المثال (اللور؛ الكلهور؛ اللك؛ الگوران؛ الكوردلي؛ الملكشاهي؛ الاركوازي؛ الزرگوشي؛ الشوهاني؛ البايراوي؛ الباولي؛ الملخطاوي؛ الخزلي؛ السوره ميري؛ الميخاسي؛ البختياري؛ الزنگنه؛ الداوودي؛ الشيخ بزيني؛ الهماوند؛ القطبي؛ الباجلان؛ الجايدري؛ القره لوسی؛ الزندي؛ و.. والكثير من العشائر التي لا يتسع المجال هنا لذكرها كلها.

 

 

اما حول تعدادهم في العراق فليست هناك احصاءات دقيقة ورسمية في هذا المجال حيث لعبت الافكار العنصرية والشوفينية دورها في منع ايجاد احصاء دقيق للكورد الفيليين ولكن يمكن القول بأن عددهم يتراوح ما بين المليونين والنصف والثلاث ملایین في العراق؛ اضافة الى هذا يوجد أكثر من ربع مليون في إيران حاليا كمهجرين ومهاجرين وأكثر من ربع مليون اخرين ينتشرون في دول مثل: استراليا وكندا وامريكا وأروبا وغيرها من الدول كمهاجرين ولاجئين.

      عشائر وقبائل الكورد الفيليين

الكورد الفيليون هم شريحة كبرى من شرائح الشعب الكوردي وينقسمون إلى خمسة أقسام وهم؛ اللور؛ اللك؛ الكلهور؛ الگوران؛ الشبك (شاه بگ – والتي يرادفها باللغة العربية مصطلح (النبلاء).

وهذه الأقسام بدورها تنقسم إلى قبائل وعشائر كثيرة. فاللور ينقسم الى قسمين اللور الكبرى واللور الصغرى. واللور الكبرى تضم أكثر من (101) قبيلة وعشيرة. واللور الصغرى تضم قبائل وعشائر لا تحصى ويمكن حصرها بمنطقة جغرافية تضم مدن وقرى.

أما اللك فتضم قبائل كثيرة من أشهرها ثلاث قبائل كبرى هي السلسلة والدلوفان والبالاگريوه وعشائر كثيرة أخرى فرعية.

أما الگوران فيضم الگوران الصغير والشبك والزنگنة والباجلان والسنجابي.

والكلهور أيضا يضم قبائل وعشائر كثيرة لا يتسع الوقت لذكرها هنا ولكن من أشهرها هما (الشاهزاده والمنصوري). و اما الشبك ( شاه بگ ) فحوالي ( 70% ) منهم هم من الكورد الفيليين ومن مزيج من القبائل و العشائر الفيلية  التالية ( الزنگنه – داوودي – باجلان – روژبياني – بيات كلهور – شوانكاره – شيخ بزيني – بختياري – لك – گوران بيچگ ) و نسبة (20%) هم من الكورمانج (زازا – زرراري – شكاك) و نسبة (7%) هم خليط من القزلباشية من (التاجيك – اللاز – الچركس) والنسبة القليلة المتبقية فهم من بعض العشائر العربية التي اختارت الانتماء و الاحتماء بهذا الجمع الكبير و القوي لتؤمن على وضعها و على مر عقود طويلة متتالية خلال القرون الماضية وسط تناحر الامبراطوريتين الايرانية و العثمانية.

اللهجات الكوردية الفيلية

 

 

تضم اللغة الكوردية اللهجات التالية (الكورمانجية – الهورامية – الزازائية – الشكاكية – السورانية – الفيلية) و كل واحدة من تلك اللهجات لها فروعها و لكناتها واما اللهجة الفيلية او ما يسمى احيانا باللهجة الكورمانجية الجنوبية تعتبر من اكثر اللهجات الكوردية أصالة واللهجة المركزية للفيليين هي التي يتكلم بها أهالي خانقين ومندلي وبغداد مع فارق بسيط في التلفظ (لكنة) وللفيليين عدة لهجات هي كما يلي:

1- المركزية   2- اللورية المركزية   3- الكلهورية   4- الشبكية

5- اللكية   6- الگورانية الصغرى   7- البختيارية   8- الكوردلية

9- الشوهانية   10- الملكشاهية   11- الاركوازية   12-البايراوية

13- الباجلانية   14- الخزلية   15- الكوه گلوية   16- المامسانية   17 – روسيانه

المذاهب بين الكورد الفيليين

ينتمي اكثر من 75% من الكورد الفيليين الى المذهب الشيعي ونسبة 17% إلى المذهب السني ونسبة 5% إلى مذاهب أهل الحق و العلي الهية ويطلق عليهم ايضا اسم الكاكائية او اليارسانية والنسبة المتبقية تشمل الأديان الزرادشتية والايزيدية واليهودية و المسيحية (الكلدان).

المشكلة الفيلية في العراق

عند تأسيس المملكة العراقية في عام 1921 وبموجب اتفاقية تخطيط الحدود العراقية – الايرانية تم الحاق مناطق واسعة من الاراضي الكوردية الفيلية بالوطن العربي الى جانب بقية الارض الكوردية التي تتشكل منها ولاية الموصل، والمتتبعون لتاريخ العلاقات بين الامبراطوريتين الإيرانية والعثمانية، ثم بينها وبين الدولة العراقية بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية يعلمون جيدا بان المناطق الحدودية سواء التي كانت تابعة لولاية الموصل أو التي كانت امتدادا لها وحتى الجنوب العراقي كمناطق شمال شرق حلبجة وشلير ومناطق زهاب (من توابع خانقين) ومندلي وبدرة وجصان وزرباطية وغيرها من المناطق المتاخمة لمنطقة ايلام كانت دوما موضع نزاع واختلاف بين الدولتين الجارتين، وكانت الاتفاقيات الحدودية المعقودة بين طرفي النزاع منذ عام 1555 وحتى يومنا هذا وبعضها تحدد بالاسم هذه المناطق وهذا خير دليل على صحة ما نقول. ولما كانت هذه المناطق وغيرها من كوردستان العراقية مسكونة من أقدم العصور من قبل العشائر الكوردية والكوردية الفيلية.

ولهذا عندما تم تثبيت الحدود العراقية بعد تأسيس الكيان الجديد او الحكم الوطني كان طبيعيا أن تنقسم العشائر المذكورة، تبعا لمناطق سكناها في حين بقيت عشائر بأكملها ضمن الدولة الإيرانية وانقسمت عشائر أخرى إلى قسمين، قسم بقي في إطار إيران والقسم الآخر صار تابعا إلى المملكة العراقية الجديدة، ومن هذه العشائر نذكر على سبيل المثال أهمها: المنگور والمامش والجاف والهورامانييون في شمال كوردستان العراق إلى جانب الكلهور والاركوازي والبولي والزرگوش والملخطاوي والكوردلية وغيرهم في جنوبها، ولما كانت هذه العشائر هي وحدات متماسكة ومترابطة من حيث النسب فلم يكن مستغربا أن نرى الاخوة وابناء العمومة منقسمين في تبعيتهم بين الدولتين تماما كما حدث بالنسبة للعشائر العربية مثل شمر و غيرها من العشائر العربية المتوزعة بين سوريه و العراق.

 

وزيادة في التوضيح نورد ما يلي ترجمة نصية لإحدى الاتفاقيات الحدودية المبرمة بين السلطان العثماني مراد الرابع والشاه الإيراني طهماسب الأول عام 1629(وقررنا أن الأماكن الواقعة في المناطق الفاصلة بين بغداد وأذربيجان الموسومة منها جصان وبدرة تكونان تابعتين لنا وقصبة (مندلي) وصولا إلى (درتنك)، وقد اتفق أن يكون المكان المسمى سرميل حدودا لدرتنك، بما فيها السهول الواقعة فيما بينها اعتبرت تابعا لنا، أما الجبل المتاخم لهذه المنطقة يكون تابعا للطرف الآخر. (سرميل) التي ذكرناها حدودا لدرتنك بالإضافة إلى (درنة) تكونان أيضا متعلقتان بنا والقبائل المعروفة ب (ضياء الدين) و (هاروني) من عشيرة الجاف تكونان حصة لصاحب الجلالة الباب العالي (بيره) و (زردولي) تبقيان ضمن سيادة الطرف المقابل. قلعة الزنجيرة التي تقع إلى الجانب الغربي من القلعة المهدية تعود لنا أما القرى الواقعة في الجانب الشرقي فتكون تابعة للطرف الثاني، جميع النقاط القريبة من مدينة (زور كوهي) الواقعة في الطرف الأخر لقلعة (زلم) والمطلة على القلعة المذكورة فقد استملكت من قبل سلطاننا أما قلعة (هورمان) مع كل القرى التابعة لها فتكون من ممتلكات الطرف المقابل، (كدوك جغان) عين حدودا لشهرزور (قزلجة) وتوابعها واستملكت من قبل سلطاننا، مهربان (مريوان الحالية) وتوابعها تخص الطرف المقابل . عن كتاب الكورد، الاتراك، العرب، لمؤلفه ادمونز.

من اللهجة الأمرة في كتابة الاتفاقية المذكورة يتبين مدى تحكم السلطان العثماني بصياغة الاتفاقية التي كانت نتيجة انتصاره في الحرب على الطرف المقابل. وهكذا نرى انه كلما كانت القوة العسكرية لإحدى الدولتين تتنامى ، كانت الدولة الأقوى تسعى لفرض امتيازات حدودية على حساب الطرف الأخر وفي حين ترى السلطان يتحكم بتعيين حدود الدولتين في ذلك العام نشاهد الامير علي ميرزا (ابن فتح علي شاه) وبدون اعلان الحرب يقدم على احتلال القسم الغربي من منطقة زهاب ويجعل نهر سيروان الحدود الفاصلة بين الدولتين كما قامت القوات الايرانية في عام 1840 باحتلال السليمانية وقبلها أي في عام 1837 كان باشا بغداد قد احرق مدينة خرمشهر واقام مذبحة لسكانها وهكذا كانت الاتفاقيات تجدد سراعا بين الدولتين كتبديل المرء بدلته بين الحين والاخر ومن الاتفاقية التي فرضها السلطان سليم العثماني على الشاه طهماسب في عام 1555 كانت النزاعات الحدودية تتكرر على الوتيرة المذكورة، والاتفاقيات تتغير تبعا لنتيجة كل نزاع، فكانت اتفاقيات (1639 في زهاب) و( 1727 في همدان) و(1726 في قسطنطينية) وفي عام (1746 في مغان) و(1823 في ارضروم) كما استمرت اخر المفاوضات الحدودية منذ عام 1849 وحتى انهيار الامبراطورية العثمانية دون التوصل الى  ابرام اي اتفاق، ثم استؤنفت بين الحكومتين الايرانية والعراقية دون التوصل الى نتيجة حتى ابرام اتفاقية الجزائر عام 1975 على حساب ضرب الثورة الكوردية وبهذه الصورة كانت الوقائع مشوبة بالقلق المصيري وعدم الاستقرار حتى نشوب حرب الثمان سنوات التي فرضها الحكم الصدامي المقبور على ايران 1980 – 1988 ولما كانت هذه هي الاوضاع في الشريط الحدودي بين الدولتين منذ اكثر من اربعمائة عام ولصعوبة تبديل الجنسية كلما حدث تغيير في رسم الحدود لكون اكثرية سكان المناطق الفيلية كانت تتكون من الشيعة، ولهذا فان سكان هذه المناطق بقيت متحفظة وحتى صدور اول قانون للجنسية في العراق عام 1927 بالجنسية الايرانية التي كانت بالإضافة الى الدوافع المذكورة تضمنت لحامليها عدم شمول ابنائهم بالخدمة العسكرية الاجبارية للحكومة العثمانية وخليفتها (العراقية) خاصة وان الحكومة العراقية آنذاك لم تكن تتشدد بهذا الشأن. هذا فيما يتعلق بأمور واوضاع السكنة الاصليين للمناطق الكوردية الفيلية التي صارت جزء من الاراضي التي سميت بالوطن العراقي.

لهذا كانت العشائر الساكنة على طرفي الحدود تتمتع بحرية واسعة للتزاور والتردد على بعضها أو تغيير أماكن سكناها.

وقد شارك أبناء هذه الشريحة إلى جانب بقية العراقيين بنشاط وإخلاص في كل المناحي على صعيد الحياة العراقية من اقتصادية وسياسية واجتماعية وكانت لرجالاتهم مواقف مشرفة على الصعيد السياسي وبرز من بينهم أدباء وشعراء ورياضيين وتجار كبار في كل الحركات والانتفاضات الشعبية في العراق منذ ثورة العشرين وحتى اليوم بالإضافة لمشاركتهم في الحركات والثورات الكوردية ونتيجة لهذه الأوضاع التاريخية والسياسية التي مر ذكرها سابقا، فقد ارتبطت مشكلة الكورد الفيليين في العراق بقضيتين معقدتين أخريين هما:

1- العلاقات العراقية الإيرانية.

2- موقف السلطة من الحركة القومية الكوردية.

وتبعا لذلك كانت الحكومة العراقية ، وخاصة الحكم العفلقي المقبور كلما ساءت علاقاتها مع إيران وتأزمت القضية الكوردية، كانت تلجا إلى تهجير الكورد الفيليين إلى إيران في ظل إجراءات تعسفية ظالمة ففي عام 1971 وضمن خطة جائرة لترقيق الوجود الكوردي والشيعي في العراق وتعريب المناطق الكوردية فقد تم تهجير حوالي ( 70,000) سبعين آلف مواطن منهم، وفي عام 1980 وخلال التمهيدات التي جرت لإشعال نار الحرب ضد إيران لجاء النظام وخلال مدة قصيرة جدا إلى تهجير اكثر من (120,000) مائة وعشرون آلف منهم خلال فترة قصيرة ودون التقيد حتى بقوانين الجنسية السارية في العراق والجدير بالذكر إن عمليات التهجير هذه كانت مصحوبة دوما بإجراءات لا إنسانية تنم عن حقد وشوفينية النظام الصدامي الجائر البائد و التي طالت قرابة (ستمائة الف فرد فيلي من عام 1980 الى 1990)… وذلك بمصادرة كافة الأموال والممتلكات المنقولة وغير المنقولة للمهجرين وتجريدهم من الوثائق والمستمسكات التي تثبت عراقيتهم وملكيتهم للأموال المصادرة والمراحل الدراسية التي وصل اليها أبنائهم هذا إضافة إلى احتجاز وغدر (23000 شاب كوردي فيلي) من أبنائهم دون أن يقترفوا ذنبا يستوجب ذلك و الذين لا يزال مصيرهم مجهولا.

ولم تقتصر معاناة الكورد الفيليين على ما اقترفه النظام العفلقي  بحقهم، وانما كانوا يعانون الى جانب ذلك من مواقف الأحزاب العراقية الإسلامية والوطنية من تجاهل مشكلتهم وما يتعرضون له من ظلم وجور، حيث تراوحت هذه المواقف مع تجاهل المشكلة كليا وطرح حلول مبتورة لها، كالمطالبة بعودة المهجرين مثلا مع تجاهل خصوصية وضع المهجرين من الكورد الفيليين، ودون التفكير في الوضع القانوني للعائدين وابنائهم والضمانات التي يمكن توفرها للحيلولة دون تكرار عمليات التهجير ضدهم في المستقبل ورغم عمق المأساة ووجود أعداد كبيرة من الكورد الفيليين في صفوف هذه الأحزاب فان قياداتها للآسف لم تكلف نفسها مجرد إعادة النظر في موقفها وأجراء دراسة ولو عاجلة لطبيعة وتاريخ وظهور وتبلور مشكلتهم واكثر من هذا فأنها خلال وبعد تنفيذ عمليات التهجير المتلاحقة لم تتحرك حتى لطرح المشكلة أمام الهيئات والمنظمات الدولية لكسب مناصرتها للمهجرين وتقديم العون اللازم لهم .

 

قد يعجبك ايضا