تزرين يعقوب سولا
في ربيع كوردستان، لا يعلن الفصل حضوره بالتقويم، بل بعطرٍ أبيض يتسلّل من السفوح والوديان… إنها زهرة النرجس، زهرة لا تنمو فقط في التراب، بل في الوجدان، في الأغاني، في الحكايات، وفي نظرة الفخر التي يحملها الناس لأرضهم.
كانت الحقول التي تتوشح بالنرجس أشبه بسجادٍ طبيعي، تتقاسمه العيون والذاكرة. الأطفال يركضون بين الأزهار، النساء يجمعنها للبيوت، والرعاة يستدلّون بها على مجيء الدفء.
لم تكن الزهرة ملكاً لأحد، بل تراثاً مشتركاً بين الإنسان والجبال والسماء.
في ثقافة الناس، ارتبط النرجس بالفرح والبدايات الجديدة، وكأن الطبيعة تقول كل عام…
“رغم كل شيء… الحياة تعود.”
النرجس في كوردستان ليست مجرد نبات بري، بل رمز للطهارة، والصلابة الهادئة، والجمال الذي يولد من القسوة. فهي تخرج من بين الصخور، في أرض عرفت الشتاء الطويل، لتقول إن الحياة تعرف طريقها دائماً. بياضها ليس لوناً فقط، بل رسالة، أن هذه الأرض، رغم ما مرّ بها، ما زالت قادرة على الإزهار.
في (گۆڕی نێرگزان) منطقة واقعة بين شقلاوة وهيران .
مكانٌ كان يلبس النرجس كما تلبس العروس ثوبها الأبيض.
كل ربيع، كانت الأرض هناك تختفي تحت غطاء من الزهور، حتى يصبح المشهد كأنه سحابة نزلت لتستريح على الجبل.
على الرغم من أن المكان قد فقد أزهاره، لكنه لا يزل يحمل اسمها.
وكأن الاسم يقاوم النسيان.
الحنين ليس مجرد حزن على الماضي، بل شعور بأن جزءاً من الروح بقي هناك، بين تلك الزهور التي كانت تلامس الركب ونحن صغار.
نشتاق ليس فقط للنرجس، بل لزمنٍ كانت فيه الطبيعة أقرب، والحياة أبسط، والفرح يُقطف باليد.
اختفاء النرجس من (گۆڕی نێرگزان) ليس قصة مكان فقط، بل حكاية تتكرر في أماكن كثيرة… حيث ينسحب اللون الأبيض، ويتقدم الإسمنت.
حيث يصمت العطر، ويعلو ضجيج البناء.
النرجس ستبقى زهرة كوردستان…
حتى لو اختفت من بعض السهول، فهي تعيش في الأسماء، وفي الذاكرة، وفي الحكايات التي تُروى كل ربيع.
وإلى حديقة بيتي … جئتُ بالأبصال وزرعتها، لا لأزرع زهراً فقط، بل لأزرع ذاكرة،
وليبقى شيء من ذلك الربيع حيّاً بين أيدينا.
نشتاق له ، لأنه قطعة من روحنا وذاكرتنا، فكوردستان… مهما تغيّر وجهها،
يبقى في قلبها ربيعٌ أبيض لا يذبل.