الانسان.. همومه وحياته في الفكر الفلسفي القديم والمعاصر

 

 

إعداد ـ التآخي

يشكل بناء الإنسان والمجتمع العادل (أو ما يعرف بالمدينة الفاضلة) محورا رئيسا في الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي على مر العصور؛ وقد تباينت المشاريع والنظريات التي طرحها المفكرون في هذا الشأن، سعيا للارتقاء بآدمية البشر وتحقيق حياة لائقة للجميع.

وتربط الفلسفة بالإنسان بطرحها لأسئلة وجودية أساسية بشأن طبيعة الحياة والواقع، وتنمية التفكير النقدي لدى الأفراد، وتطوير المهارات العقلية والأخلاقية. تتناول الفلسفة مفهوم الإنسان، وتسعى إلى فهمه وتحديد ماهيته، سواء بوساطة التأمل الذاتي أو التفاعل مع المجتمع، مما يجعلها أسلوب حياة يسعى لتحقيق السعادة والفهم الأعمق للوجود.

وجعلت الفلسفة الإنسان محور اهتمامها، اذ غير سقراط تركيز الفلسفة من أمور السماء إلى أمور الأرض، عن طريق التركيز على معرفة الذات والفضيلة.

وتعد الفلسفة فنا للحياة وتطورا للممارسات الحضارية، وهي ضرورية لإزالة الغشاوة عن الفكر وتنمية الملكات العقلية لدى الإنسان، كما يقول باحثون معاصرون.

وتعمل الفلسفة على تنمية المهارات العقلية والأخلاقية مثل التفكير النقدي، والقدرة على التحليل والتركيب، والتعبير الدقيق، والوعي بالذات والمحيط.

وتساعد الفلسفة في فهم طبيعة الواقع والوجود عن طريق البحث في العلل والأسباب العميقة، والتساؤل عن معنى الحياة وقيمها، و تسعى إلى تحقيق سعادة الإنسان بالتغلب على المخاوف و”الأهواء الحزينة”، وفهم الوجود بشكل أعمق، وتعد الفلسفة أساسا لتطوير رؤية كونية متكاملة، تساعد الفرد على فهم مكانه في العالم وتحديد قيمه وأهدافه في الحياة.

 

 

​نظريات المدينة الفاضلة والعدالة في الفكر القديم

أفلاطون (427 – 347 ق.م): المدينة المثالية (الجمهورية).. ​يعد أفلاطون من أوائل من وضعوا تصورا متكاملا للمدينة الفاضلة في كتابه “الجمهورية”، و ​ربط بين العدالة في النفس والعدالة في الدولة.

​قسّم النفس البشرية إلى ثلاث قوى: العاقلة (فضيلتها الحكمة)، والغضب (فضيلته الشجاعة)، والشهوانية (فضيلتها العفة)؛ و ​قسّم المجتمع إلى ثلاث طبقات متناظرة: الحكام/الفلاسفة (الذين يحكمون بالحكمة)، والحراس/الجند (الذين يتمتعون بالشجاعة ويحمون الدولة)، والعمال/المنتجون (الذين يلبون الحاجات المادية).

​العدالة لديه، تتحقق عندما تقوم كل طبقة بعملها المنوط بها على أكمل وجه، تحت سيطرة الحكمة؛ ​و دعا إلى مشاعية الأموال والنساء والأولاد لطبقة الحراس والحكام لتخليصهم من كل ما يعوق تركيزهم على خدمة الدولة وتحقيق العدل، وذلك لتفادي الأنانية والجشع، ومع ذلك، تخلى عن هذه الأفكار لاحقا في محاورته “القوانين” لصالح دور أكبر للقانون، مع تبني رؤية أكثر واقعية.

​ الفارابي (ت. 950 م): آراء أهل المدينة الفاضلة: ​في الفلسفة الإسلامية، تأثر الفارابي بأفلاطون وأرسطو وطوّر مفهومه للمدينة الفاضلة. ​هدف المدينة عنده تحقيق السعادة القصوى لأفرادها.

​ شبّه المدينة بـالجسد الواحد الكامل والصحيح الذي تتعاون أعضاؤه، اذ يمثل الرئيس الأول (النبي أو الفيلسوف) القلب، وهو الأكمل والأكثر إدراكا، وتقوم بقية الطبقات بالتعاون.

​صفات الرئيس الأول: يجب أن يتصف بصفات الكمال، مثل الحكمة، وجودة الفهم والحفظ، وحب العدل، وقوة العزيمة.

نظريات بناء الدولة العادلة في العصر الحديث

انتقلت قضايا العدالة والمجتمع في العصر الحديث إلى مفهوم العقد الاجتماعي والحقوق والعدالة التوزيعية. ​وطرح فلاسفة العقد الاجتماعي (هوبز، لوك، روسو)   رؤاهم بشأن كيفية تأسيس الدولة الشرعية والاجتماع البشري.

​جان جاك روسو (1712 – 1778) صاحب العقد الاجتماعي والإرادة العامة، يرى أن الإنسان ولد حرا لكنه مقيد في كل مكان، وأن الانتقال من الحالة الاعتيادية إلى الحالة المدنية يجري عبر العقد الاجتماعي، يرى روسو أن القانون يجب أن يعبر عن الإرادة العامة، التي تهدف إلى الخير المشترك والمصلحة العليا للمجتمع ككل، وهذا هو أساس الشرعية والعدل.

​كارل ماركس (1818 – 1883) طرح مفهوم الشيوعية والمجتمع اللاطبقي، اذ ​قدم ماركس نقدا جذريا للرأسمالية وطرح مشروعا اجتماعيا – سياسيا يهدف إلى تحرير الإنسان، و رأى أن سبب شقاء الإنسان واغترابه هو الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والصراع الطبقي الناتج عنها.

​مشروعه يدعو إلى الثورة لإقامة مجتمع شيوعي (لا طبقي)، تزول فيه الملكية الخاصة، وتكون فيه وسائل الإنتاج ملكا للجميع، ويجري التوزيع وفق مبدأ العدالة “من كلٍّ حسب قدرته، ولكلٍّ حسب حاجته”، وهو ما يضمن المساواة والعدالة الاجتماعية الحقيقية.

​​جون رولز (1921 – 2002) طرح نظرية العدالة كإنصاف، اذ ​يعد رولز من أهم فلاسفة السياسة في القرن العشرين، ووضع نظريته في العدالة في كتابه “نظرية في العدالة”.

​وتناول مفهوم “الوضع الأصلي” و “حجاب الجهل”؛ اذ يتفق الأفراد على مبادئ العدالة وهم لا يعرفون موقعهم الاجتماعي، الاقتصادي، أو مواهبهم. هذا يضمن الحياد والإنصاف. ​وتوصل إلى مبدأين رئيسين للمجتمع العادل: ​مبدأ الحرية المتساوية، لكل شخص الحق المتساوي في أوسع نظام من الحريات الأساسية المتوافقة مع نظام حرية مماثل للجميع، و​مبدأ الاختلاف، اذ يجب أن تكون أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية مرتبة بحيث تكون لأكبر فائدة ممكنة للأعضاء الأقل حظا في المجتمع (مبدأ الفرق)، و ​ مرتبطة بمناصب ووظائف مفتوحة للجميع في ظل شروط تكافؤ الفرص العادل.

​هذه النظريات، وغيرها الكثير، تمثل محاولات مستمرة لإجابة سؤال الإنسان الأبدي بشأن كيفية العيش بكرامة وعدل ضمن جماعة منظمة، وهي تشكل الأساس الفكري لعدد من الأنظمة السياسية والاجتماعية المعاصرة.

لقد ظهرت الأنثروبولوجيا “علم الانسان” كنوع من الفكر، قبل أن تؤسس كتخصص فلسفي مميز في عشرينات القرن العشرين، بصفتها فكرا خاصا بما بعد العصور الوسطى يسعى للتحرر من الدين: المسيحية والتقاليد الأرسطية؛ و يعود أصل هذا التحرر، الذي يعد سمة للحداثة، إلى الشك الديكارتي الذي صاغه ديكارت في أول تأملين من تأملاته في الفلسفة الأولى (1641).

ألقى إيمانويل كانت (1724-1804) أول محاضرة في الأنثروبولوجيا في العالم الأكاديمي الأوروبي. وطور على وجه الخصوص مفهوم الأنثروبولوجيا الواقعية، الذي عد الأنثروبولوجيا الخاصة به تجريبية، وليست تخصصا فلسفيا بحتا. كانت أعماله الأنثروبولوجية والفلسفية أحد التأثيرات في هذا المجال في القرنين التاسع عشر والعشرين. وعقب كانت، يعد لودفيغ فويرباخ أحيانا ثاني أهم مؤسس ومؤثر في الأنثروبولوجيا الفلسفية، الذي قام بنقد المسيحية، وكان مؤثرا للغاية بأجيال من المفكرين اللاحقين، بمن فيهم كارل ماركس، وفريدريك أنجلز، وريتشارد فاغنر، وفريدريك نيتشه.

وفي القرن التاسع عشر، قدم المثاليون الألمان ما بعد كانت، أمثال فيشته وشيلن وهيغل، فضلا عن، سورين كيركغور إسهامات هامة.

 

 

الاهتمام بالإنسان في أيامنا الحالية

 

ما يزال الاهتمام بقضايا الإنسان والوجود والقضايا الفلسفية التي تخدم المجتمع والناس قائما وبقوة في أيامنا هذه، بل إنه يأخذ أبعادا جديدة تتناسب مع التحديات المعاصرة.

​تتواصل الفلسفة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية المعاصرة في دراسة سبل بناء مجتمع عادل، متكيفة مع التحولات التكنولوجية، والاجتماعية، والبيئية.

​و​مجالات التركيز الفلسفي المعاصر تتركز في ​ الفلسفة السياسية والعدالة الاجتماعية، اذ ​تستمر هذه الفلسفة في البحث عن معايير المجتمع العادل، لكن بمناقشة تحديات أعمق؛ ​ومن ذلك، نظرية ما بعد رولز للعدالة: ظهرت انتقادات وتوسعات لنظرية جون رولز، وأبرز الأمثلة المعاصرة.

​أمارتا سِن (Amartya Sen) ونظرية القدرات (Capabilities Approach): يرى سِن أن العدالة لا يجب أن تُقاس فقط بمدى توزيع الموارد أو الحقوق، بل بمدى قدرة الأفراد الحقيقية على فعل ما يختارونه والعيش بالطريقة التي يقدرونها. فمثلا، لا يكفي ضمان “الحق في التعليم” (المورد)، بل يجب ضمان “القدرة على التعلم بفعالية” (القدرة)، وهذا يتطلب تدخلات اجتماعية واقتصادية لتمكين الأفراد الأقل حظا.

​ميشيل ساندل (Michael Sandel) والنقد الليبرالي: يركز على أهمية المجتمع والقيم المشتركة (الخير العام) في تحديد العدالة، وينتقد التركيز المفرط لليبرالية على الحقوق الفردية بمعزل عن الأهداف الأخلاقية والمدنية الأوسع.

​​ومع التطور الهائل للتكنولوجيا، ظهرت قضايا وجودية وأخلاقية جديدة تتطلب تدخلا فلسفيا، من ذلك أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (AI Ethics): تدرس كيفية بناء خوارزميات عادلة وغير منحازة، وكيفية ضمان المساءلة والشفافية في القرارات التي تتخذها الآلات (مثل قرارات التوظيف، أو الأحكام القضائية). كما تتناول قضايا مستقبل العمل والبطالة الناجمة عن الأتمتة وضرورة تحقيق العدالة واسعاد الانسان.

تناقش فلسفة الوجود المعاصرة طبيعة الهوية الإنسانية في العصر الرقمي، وحقوق الأفراد في التحكم ببياناتهم الخاصة، ومخاطر المراقبة الشاملة على الحريات الأساسية.

وتبرز الآن الفلسفة البيئية وقضايا الاستدامة، اذ ​أدت الأزمات البيئية والتغير المناخي إلى تحول في القضايا الوجودية، لتصبح مرتبطة بـالعلاقة بين الإنسان والطبيعة، ​وان الأخلاق البيئية (Environmental Ethics)، تتبنى نظرة أوسع للعدالة، تتجاوز الإنسان لتشمل الكائنات الحية الأخرى والبيئة؛ و ​تطرح أسئلة عن هل للطبيعة قيمة جوهرية في حد ذاتها (وليس فقط قيمة نفعية للإنسان)؟ وما هي مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه الأجيال المقبلة (العدالة بين الأجيال) فيما يخص موارد الكوكب؟

​​وظهرت ما تسمى الفلسفة النسوية ونظرية التعددية الثقافية، اذ ​تواصل الفلسفة المعاصرة توسيع نطاق العدالة ليشمل جميع الفئات التي تعاني من التهميش بمن فيها المرأة، وتجري ​إعادة تعريف السلطة والعدالة، اذ تركز النظريات النسوية (مثل أعمال نانسي فريزر – Nancy Fraser) على أن العدالة يجب أن تشمل بعدين: العدالة التوزيعية (توزيع الموارد) وعدالة الاعتراف (احترام الهوية الثقافية والجنسانية).

​والتعددية الثقافية (Multiculturalism): تناقش كيفية بناء دولة عادلة تمنح حقوقا جماعية للأقليات الثقافية وتحميها من طغيان الأغلبية، مع الحفاظ على وحدة المجتمع (كما في أعمال ويل كيمليكا – Will Kymlicka).

وتتواصل الدراسات الفلسفية لقضايا الإنسان والمجتمع، لكنها انتقلت من رسم “المدينة الفاضلة” المثالية (اليوتوبيا) إلى دراسة كيفية تحقيق الإنصاف العملي في سياق التحديات الواقعية للعولمة، والتكنولوجيا، والتنوع، والأزمة البيئية.

 

هل تتواجد فلسفة فردية؟

 

يقول باحثون، ان في هذه الحياة ثمة نوعين من البشر، نوع يعيش على هامش الحياة، ويمارس نشاطه الوجودي كيفما اتفق، من غير أن يصدر عن فلسفة عميقة وواضحة ومنتجة، كونه لا يمتلك أدنى لياقات التفكير الإيجابي والبناء، ونوع آخر يعيش وفق منظور للحياة أكثر عمقا، لأنه يتسم بالحكمة والمعرفة والأمل والطموح.

 

فلسفتك في الحياة هي طريقة تعاطيك مع العالم الذي حولك، مع سائر صنوف الموجودات، كيف تفهم الحياة؟ وبأي منطق تعيش؟ ووفق أي مبادئ تسير؟ وماهي القيم والمثل التي تحيا بها؟ وهذه الأسئلة تمثل المقدمات الأساسية لكل نزعة فلسفية، والفلسفة وفق هذا التصور تعني الإطار العام الذي يجمع القيم والمبادئ والأفكار والمعتقدات، التي تشكل في مجموعها منهجا متكاملا للحياة. والإنسان الذي لا يصدر عن فلسفة صحيحة ومحددة وقاطعة، يعيش غالبا بتعاسة وشقاء، ويقضي سني عمره من دون أن يشعر بقيمة الحياة.

 الذي يعيش بلا فلسفة أو رؤية فلن يكون بمقدوره التماشي مع الحياة ومسايرتها بإيجابية، وسيكون عرضة للانفعالات التلقائية غير الواعية.

والفلسفة هي نزعة في التفكير تركز على طرح أسئلة جوهرية؛ ماذا تريد أن تكون، (الشخصية)، وماذا تريد فعله، (الإسهامات والإنجازات)، ولأن الإنسان كائن متفرد، ستعكس فلسفته في الحياة هذا التفرد، شكلا ومضمونا، وفي الوقت الذي تحدد فيه فلسفتك في الحياة فإنك بهذا تضع نفسك أمام مسؤوليات جمة، من بينها أن تتحمل مسؤولية خياراتك، وطريقة استجابتك للتحديات والظروف، والناس عادة يخفقون في اختيار الاستجابة الصحيحة لأي تحد يواجههم، نتيجة افتقارهم لمنظور صحيح وتصور سليم للحياة والأشياء من حولهم، إنهم أسرى التلقائية والاعتباطية، الفلسفة الصحيحة والعميقة من شأنها أن تساعدنا على تمحيص أفكارنا وتهذيب تصرفاتنا وتنقية الشوائب التي تملأ عقولنا ومشاعرنا، كما تساعدنا على وضع رسالة الحياة الشخصية، وبالنتيجة تحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف.

 وحين تعرف فلسفتك في الحياة بوسعك أن تختصر الطريق من دون أن تشتتك الأنشطة الهامشية.

 قد لا يبالي كثير من الناس بمثل هذا الكلام، ويعدونه من زوائد القول وحشوه، ومثل هؤلاء غير معنيين بأنفسهم، وغير مبالين بالحياة، وليس لديهم الإرادة الفعالة، التي تمكنهم من العيش بعمق، هذا الصنف من البشر لا يدرك معنى وجوده وسره، لا يعرف بالضبط ما غايته، وما المطلوب منه، وبالتالي يعيش ويموت وهو خلو من أي إنجاز، وليس له أي بصمة في ساح الحياة ومضمارها، من دون فلسفة للحياة، ستضع السلم دائما على الجدار الخطأ، وستكون جميع نشاطاتك ومهاراتك وافعالك وخياراتك قاصرة عن تحقيق أهدافك وتطلعاتك.

 والقيم التي ينبغي أن تحيا عليها هي معايير السلوك والأخلاق، التي بها تستطيع التمييز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين النافع والضار…إلخ، مع وتواجد فلسفة لنا في الحياة سيكون بمقدورنا الانسجام مع المتغيرات، والتكيف مع ظروف الحياة المتنوعة، والذي يعيش بلا فلسفة أو رؤية فلن يكون بمقدوره التماشي مع الحياة ومسايرتها بإيجابية، وسيكون عرضة للانفعالات التلقائية غير الواعية. ضع رؤيتك وأهدافك نصب عينيك، ونظم حياتك بحيث تتوافق مع فلسفتك وتصورك.

 

 

قد يعجبك ايضا