
متابعة التآخي
الملحن العراقي عباس جميل يعدّ من مؤسسي وصانعي الأغنية العراقية الشعبية
من رواد الأغنية العراقية التي ازدهرت مطلع خمسينيات القرن الماضي، شقّ طريقه الفني برفقة كبار الفنانين العراقيين، ويعد من مؤسسي وصانعي الأغنية العراقية الشعبية.
خلّف تاريخا فنيا زاخرا لنحو نصف قرن وبما يقارب 400 أغنية من ألحانه، اتسمت بطابعها المحلي البغدادي، وصارت ترددها الأجيال من بعده، وأعاد أداءها عدد من المطربين العرب.
المولد والنشأة
ولد عباس جميل قمر الشيخلي المعروف فنيا، عباس جميل في محافظة كربلاء وسط العراق، في الأول من يوليو/تموز 1927، وعند ولادته انتقلت عائلته للسكن والعيش في منطقة باب الشيخ بجانب الرصافة وسط بغداد، حيث نشأ وترعرع.
توفي والده وجميل لم يتجاوز بعد سنه 10 أعوام، ثم توفيت والدته بعد 7 أعوام من وفاة والده، وأكمل دراسته الأولية بالقرب من منطقة سكنه، قبل أن يتطوّع في الجيش العراقي معلما للرياضة في الكلية العسكرية في بغداد منتصف أربعينيات القرن الماضي.
تزوج للمرة الثانية بعد وفاة زوجته الأولى، وله منهما عدة أولاد وبنات، أبرزهم الإعلامية الشهيرة سحر عباس جميل، وفيصل عباس جميل وهو موسيقي وملحن شاب.
الدراسة والتكوين
أكمل عباس جميل دراسته الابتدائية والمتوسطة في مدرسة المؤمنية الأساسية في منطقة الميدان وسط بغداد في الفترة ما بين 1936 و1945. ثم دخل الجيش قبل أن يدرس بشكل متقطع في معهد الفنون الجميلة بقسم الموسيقى في بغداد ما بين عامي 1953 و1960. وكان من بين أساتذته كبار الموسيقيين أمثال منير بشير، وروحي الخماش، وسلمان شكر، ومحيي الدين حيدر، وخلال دراسته في المعهد تعلّم أصول كتابة النوتة الموسيقية والعزف على آلة العود، التي بقيت ملازمة له حتى وفاته.
وبين نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات كان يمتلك محلا للتصوير في منطقة باب المعظم، مقابل مبنى وزارة الدفاع القديمة وسط بغداد، وكان يمتهن التصوير الفوتوغرافي.
تأثر بالمقام العراقي ورواده من أمثال محمد القبنجي ورشيد القندرجي، وتأثر عربيا بالموسيقار محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش.
التجربة الفنية
في بداية شبابه دعمه رئيس الوزراء في العهد الملكي الباشا نوري السعيد، عندما قرر نقل خدماته من الكلية العسكرية التي عمل مدربا فيها للرياضة واللياقة البدنية، إلى قسم موسيقى الجيش التابع لوزارة الدفاع.
ثم اقترح السعيد على جميل التقاعد من الجيش بعد منحه رتبة أعلى ليتفرغ لفنه، وكانت أولى انطلاقاته نحو الفن الرفيع ليواصل مشواره الفني الذي امتد لنصف قرن.
ويعتبر جميل أول فنان عراقي شارك في إقامة حفلات ترفيهية للجيش العراقي، الذي توجه للقتال في فلسطين عام 1948، وكانت تلك بداية انطلاقته بعدما أنشأ فرقة فنية للترفيه عن الجيش. وكانت الفرقة بإشراف ضباط من بينهم الضابط المتقاعد الشاعر منيب الذويب، الذي كتب له أول أغنية وطنية بعنوان “روح الشهيد”. واشتهرت هذه الأغنية وأصبحت تغنى في ساحات المعارك في فلسطين، ومن هنا كانت البداية مع اللحن والنغم وحب الموسيقى والطموح بأن يكون فنانا له مكانة بين الملحنين الكبار.
الوظائف والمسؤوليات
عمل معلما (ضابط صف) في الكلية العسكرية من 1940 إلى 1951. ثم عيّن معلما للرياضيات واللغة العربية والإنجليزية في مدارس ابن جبير والنصير والنضال والمهج الابتدائية منذ 1960 إلى 1970.
ثم ترقى إلى مستوى مشرف تربوي في وزارة التربية، وبعدها توجه إلى التدريس في معهد الفنون الجميلة بقسم الموسيقى، ومن ثم مشرفا على فرقة الإذاعة والتلفزيون طيلة فترة الثمانينيات من القرن الـ20.
وعيّن مديرا لفرقة الرافدين الموسيقية التابعة لوزارة الثقافة، وعضوا في اللجنة الوطنية للموسيقى العراقية. وفي الفترة ما بين 1984 و1986 عمل أستاذا في معهد الدراسات الموسيقية. وكان عضوا في اللجنة العليا للموسيقى عام 1990، وعضوا في اللجنة الاستشارية لبيت المقام العراقي حتى وفاته.
أهم أعماله
شكل جميل مع المطربة الشهيرة العراقية الراحلة زهور حسين ثنائيا مميزا بعدما تعرف عليها في دار الإذاعة العراقية، وذلك أواخر عقد الأربعينيات من القرن الماضي، وغنت من ألحانه أغنيات ظلت عالقة في الذاكرة من بينها:
((أني اللي أريد أحجي، غريبة من بعد عينج يا يمه -أغنية شجية عن الأم-، يا أم عيون حراكة، جيت لأهل الهوى، هله وكل الهلا، سلمة يا سلامة، تعال أكعد وره الباب، على بالي، تحاسبني على الأيام، حلو حلو هواية حلو)).
وكان آخر نص لحنه لها هو “وين ابن الحلال الشاف محبوبي”، من كلمات الشاعر عبد الكريم العلاف، لكنها لم تغنه بسبب وفاتها المفاجئة عام 1964.
وبلغ عدد الأغاني التي لحنها لزهور حسين 60 أغنية. كما لحن للمطربة الراحلة وحيدة خليل، والراحلة عفيفة أسكندر، أشهر الأغاني.
ولحن للراحلة سليمة مراد زوجة الراحل ناظم الغزالي أغنية “يا يمه ثاري هواي”. وله ألحان للأغنية الريفية، فقد لحّن لمشاهير الأغنية الريفية العراقية مثل داخل حسن، وكان أول لحن قدمه له أغنية “يا طبيب صواب دلالي كلف”، وهي من كلمات جبوري النجار.
ولحن للمطرب الريفي الراحل صاحب شراد، كما لحّن لمطرب “المربعات” فاضل رشيد، أغنية “الما يزور السلمان، عمره خسارة”، وقد اشتهرت هذه الأغنية حتى صار يرددها طلاب المدارس خلال رحلاتهم المدرسية.
كما لحن مجموعة أغان لمطربات عراقيات شهيرات أمثال لميعة توفيق وأنصاف منير وأحلام وهبي وعزيمة توفيق.
ومن جيل السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لحّن للمطرب سعدي الحلي ولسعدون جابر، ولحّن لغادة سالم والفنانة أمل خضير وفؤاد سالم ونسيم عودة وأحمد نعمة، الذي كان تلميذه في معهد الدراسات الموسيقية، ولحن للمطرب شهيد كريم ومقصد الحلي. كما لحن مجموعة أغان لفرقة الإنشاد الوطنية.
تجربة السينما
في السينما لحّن أول أغنية للمطربة العراقية الكبيرة مائدة نزهت “جاني من حسن مكتوب” ضمن فيلم “الدكتور حسن”، وهو فيلم عراقي أنتج عام 1954، وفيما بعد لحن لها أغاني “حلم أخضر” و”العيون” و”يا كاتم الأسرار”.
الجوائز والأوسمة
لقب عميد الأغنية العراقية من قبل نقابة الفنانين العراقيين عام 1991.
لقب موسيقار من قبل الجامعة العربية في حفل أقيم له في القاهرة عام 1998.
جائزة الإبداع الموسيقي والغنائي في مهرجان بابل في العراق عام 2000.
درع ديوان الشرق والغرب من فرنسا 2004.
شهادات تقديرية أخرى عديدة.
الوفاة
توفي عباس جميل ببغداد في الثالث من يناير/كانون الثاني 2006 عن عمر ناهز 80 عاما بعد صراع مع المرض، ودفن في مقبرة الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت شمالي بغداد.