حقوق الإنسان بين قصور المبدأ وسوء التطبيق وضرورة التجديد

د. محمد رفيع

لقد أصبح شعار ” حقوق الإنسان ” في السنين الأخيرة مطلبا ملحا في الخطاب السياسي العالمي – باعتباره أساس الديمقراطية ومضمونها ومعناها – حتى تحول إلي أنشودة العالم يعيشها البعض ويحلم بها البعض الآخر .

المحور الأول: حقوق الإنسان النشأة والسياق

يعتبر الكثير من الحقوقيين الإعلان الأممي لسنة 48 حصيلة تراكمات نضال شعوب العالم من خلال محطات تاريخية كوثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي سنة 1776 م وإعلان الثورة الفرنسية 1789 م وغيرهما

و جاء ذلك في سياق الرد على الأوضاع المأساوية التي كانت تعيشها الإنسانية (التعذيب + العبودية + العنصرية …) .

لكن الوقوف على السياق التاريخي للإعلان الأممي والظروف التي أفرزته والخلفية الفكرية والفلسفية لواضعي الإعلان من شأنه أن يكشف عن تناقضات مبدئية أريد لها أن تبقى طي الكتمان وعلى هامش النسيان .

فقد جاء إعلان 48 ليعبر عن الآمال والطموح التي تراود قادة العالم يومئذ إثر خروجهم من كابوس الحرب المدمرة للإنسانية التي خلفت ملايين الضحايا، إنها آمال الكبار يملونها على العالم، وقد اعترفوا في الديباجة أن تجاهل حقوق الإنسان واحتقارها دفعا إلى أعمال وحشية يشمئز منها الضمير الإنساني ” .

كما أعلنوا أن أعلى مطالب الإنسان هو ” ظهور عالم تكون فيه الكائنات البشرية حرة في التعبير والاعتقاد متحررة من الإرهاب ومن البؤس ” كل ذلك يعبر عن فرحة الخروج من أزمة الحرب المدمرة إلى فضاء التطلعات للمثل العليا .

: 1_ التناقض في المبدأ قبل التطبيق

يبدو التناقض في الإعلان الأممي منذ ديباجته حيث جاء فيها: ” ليبذل كل الأفراد وكل المنظمات الاجتماعية المستوحية لهذا الإعلان جهودهم في التعليم والتربية لينموا احترام هذه الحقوق والحريات وليؤمنوا الاعتراف بها، وتطبيقها العالمي والفعلي بإجراءات تدريجية على الصعيد القومي والدولي، سواء وسط شعوب الدول العضوة نفسها أو وسط الشعوب التي تحت سيطرتها ” .

فالتطبيق الفعلي والإجراءات التدريجية وضعت إطارين مختلفين، ورتبت درجتين متميزتين لإنسانتين غير متساويتين: إنسانية مسيطرة وأخرى مسيطر عليها .

ففي البند الثاني نجد تصنيفا استعماريا صرفا للأوطان: أوطان مستقلة وذات السيادة، والأخرى مسود عليها غير مستقلة وتحت الوصاية، يقول البند: ” لكل إنسان حق التمتع بكل الحقوق والحريات بدون تمييز عرقي أو لوني أو  أو أي مكانة أخرى أو وضعية سياسية أو قانونية أو دولية أو وطنية ..”

الوضعية السياسية والقانونية والدولية والوطنية لا تمنع من الخضوع لبنود الإعلان، فالعالم في تلك النوايا كان وما يزال عالمين اثنين كما أسلفت أحدهما سيد مستقل والآخر مسود تحت الوصاية، والإنسان إنسانان: إنسان سيد أعطى لنفسه كل الحقوق ومنها احتكار خيرات الأرض على حساب أزيد من 82% من ساكنة العالم، وإنسان مسود لا يهم إن نكل به وشرد في فلسطين، أو قتل وذبح في البوسنة والهرسك، أو مات جوعا في أدغال أفريقيا أو أزهقت روحه غي حروب أهلية تحت إشراف الإنسان الأبيض السيد .

وهنا يحق لنا أن نتساءل عن الخلفية الفكرية والثقافية والفلسفية للإنسان الغربي: واضع حقوق الإنسان .

2_  الجذور النفسية والفكرية لثقافة حقوق الإنسان :      

لا شك أن البحث في الجذور النفسية والفكرية الثقافية للإنسان الغربي المتأله في الأرض وبواعثه وخلفية جبروته، يساعدنا كثيرا في معرفة حقيقة الثقافة العالمية الصائلة الآن المنادية لحقوق الإنسان، كما يساعدنا ذلك على الوقوف على البنية الفكرية والخلفية الفلسفية للمغربين من أبناء جلدتنا، فمن يعرف الأصل أولى أن يعرف النسخة .

فمن المعلوم أن فكرة حقوق الإنسان بمفهومها السائد الآن نشأت وتطورت في البيئة الأوروبية، وفي ظل تجارب مجتمعاتها وثقافاتها وخصوصياتها، وما عاشته من مخاضات عبر تاريخها .

فهناك هزات فكرية حاسمة في تاريخ أوربا أثرت تأثيرا بليغا وحاسما في صياغة الفكر الغربي والثقافة الغربية عموما، ومنها حقوق الإنسان.

قد يعجبك ايضا