نوري جاسم
ليس من السهل أن يجد الإنسان في زمن الاضطرابات الكبرى خطابًا يعيد إليه الطمأنينة، ويذكّره بأن العالم لم يُخلق ليكون ساحة صراع دائم، بل فضاءً واسعًا للتعارف والتعاون وبناء الخير المشترك. وفي خضم ما يشهده العالم من أزمات متلاحقة وصراعات متشابكة، تبرز الحاجة إلى خطابٍ روحي عميق يعيد التوازن إلى العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والآخرين.
وفي هذا السياق يكتسب البيان الصادر عن حضرة السيد الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان رئيس الطريقة العلية القادرية الكسنزانية في العالم أهمية خاصة، لأنه لا يأتي بوصفه توجيهًا داخليًا لأتباع طريقة صوفية فحسب، بل يحمل في مضمونه رسالة إنسانية أوسع، تتوجه إلى الضمير الإنساني في كل مكان. وإن جوهر هذا البيان يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في معناها، وهي أن التوازن في حياة الإنسان لا يتحقق إلا إذا استعاد علاقته بالله تعالى، وأعاد بناء قلبه على أساس المحبة والذكر والخير.
فحين يتصالح الإنسان مع نفسه، يصبح قادرًا على أن يتصالح مع العالم من حوله. هذه الرؤية ليست جديدة في التراث الصوفي الإسلامي، لكنها تكتسب اليوم أهمية مضاعفة في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتراجع فيه أحيانًا القيم الروحية أمام ضجيج المصالح والصراعات. فالتصوف، في حقيقته، لم يكن يومًا انسحابًا من الحياة، بل كان دائمًا محاولة عميقة لإصلاحها من الداخل، عبر إصلاح الإنسان أولًا.
ومن هنا تأتي الدعوة التي يؤكد عليها البيان إلى الإكثار من الذكر والصلاة على النبي محمد ﷺ، باعتبارها وسيلة لإحياء القلوب وإعادة إشعال نور الرحمة في النفوس. فالذكر في المفهوم الصوفي ليس مجرد كلمات تُتلى، بل هو حالة حضورٍ دائم مع الله تعالى، تنعكس في سلوك الإنسان وتعاملاته مع الآخرين.
وإذا كانت المجتمعات الحديثة تبحث عن صيغ جديدة للتعايش والتفاهم بين الثقافات والشعوب، فإن التصوف يقدم نموذجًا روحيًا يمكن أن يسهم في هذا المسار، لأنه يقوم على احترام الإنسان لكونه إنسانًا قبل أي اعتبار آخر، وعلى الإيمان بأن المحبة هي اللغة الوحيدة التي يمكن أن تجمع القلوب. إن الرسالة التي يحملها هذا البيان تذكّرنا بأن الدين، في جوهره، ليس مشروعًا للصراع، بل مشروعٌ لبناء الإنسان، وأن القيم الروحية الكبرى — كالرحمة والتسامح والتواضع — هي الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه حضارة إنسانية أكثر توازنًا وعدلًا.
وفي زمنٍ تتزايد فيه الدعوات إلى الحوار بين الحضارات والثقافات، يصبح من الضروري أن يكون للخطاب الروحي المعتدل حضوره في هذا الحوار، لأن السلام الحقيقي لا يتحقق بالاتفاقات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى أرضية أخلاقية وروحية تعزّز الثقة بين البشر. ولعل أجمل ما في هذا البيان أنه يذكّر الإنسان ببساطة الطريق إلى الخير: قلبٌ عامرٌ بالذكر، ولسانٌ معطرٌ بالصلاة على النبي الكريم، ونفسٌ تسعى إلى نشر الرحمة بين الناس. وهي معانٍ قد تبدو بسيطة، لكنها في حقيقتها قادرة على أن تغيّر الكثير في حياة الأفراد والمجتمعات.
وهكذا يعود التصوف ليؤدي دوره التاريخي بوصفه مدرسة روحية تُذكّر الإنسان بحقيقته الأولى، وتعيد فتح أبواب الرحمة في عالمٍ أنهكته الصراعات، ليبقى الأمل قائمًا بأن القلوب إذا اجتمعت على الخير، فإن المستقبل يمكن أن يكون أكثر سلامًا وإنسانية. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.