شريف علي
تبحث هذه المقالة في الاتجاهات المحتملة للصراع الأمريكي–الإيراني ضمن سياق دولي متحوّل تتداخل فيه مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوربا. وتناقش كيف يمكن لهذا الصراع أن يصبح مدخلاً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر تفكيك البنى المركزية في دول محورية، وظهور فيدراليات جديدة، وتبدّل موازين القوى الإقليمية.
يبدو الصراع الأمريكي-الإيراني اليوم أبعد بكثير من كونه مواجهة ثنائية بين دولتين. فهو يمثل نقطة ارتكاز لإعادة تشكيل الشرق الأوسط في سياق دولي متحوّل، تتداخل فيه مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا. كما يعكس هذا الصراع إرث اتفاقية سايكس–بيكو ومقترحات لجنة كراين التي سبقتها. وبينما تسعى واشنطن إلى إعادة هندسة المنطقة بما يتجاوز الحدود المصطنعة التي رُسمت قبل قرن، تعمل بكين وموسكو على حماية مصالحهما الاستراتيجية، كلٌّ وفق رؤيته الخاصة للنظام الدولي الجديد.
من منظور أمريكي، يشكّل الشرق الأوسط منطقة حيوية يجب إعادة تشكيلها بما يضمن منع القوى الإقليمية الكبرى من التحول إلى منافسين استراتيجيين. ولهذا، فإن إضعاف البنى المركزية في إيران وتركيا، أو حتى تفكيكهما، يُعد خطوة أساسية في مشروع إعادة رسم الخريطة. ويُنظر إلى إدخال تركيا في مواجهة مباشرة مع إيران كوسيلة فعّالة لتحقيق هذا الهدف. فمثل هذا الصدام قد يؤدي إلى خلخلة الوضع الداخلي التركي، وفتح الباب أمام حراك كوردي متزامن في شمال كوردستان وشرق كوردستان، وغرب كوردستان ما يعيد المسألة الكوردية إلى الواجهة الدولية.
كما أن الدور الإقليمي المتنامي لقيادة إقليم كوردستان، ولا سيما الرئيس مسعود بارزاني، أصبح عاملاً مؤثراً في إدارة العديد من ملفات المنطقة. وهذا الدور يمنح القضية الكوردية وزناً إضافياً في أي ترتيبات مستقبلية قد تشهدها المنطقة.
يضاف إلى ذلك أن أي هجوم إيراني على تركيا سيؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو، الأمر الذي يسمح للولايات المتحدة وحلفائها بالتدخل العسكري المباشر ضد إيران دون الحاجة إلى حرب منفردة. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري فهم خريطة القوى الكبرى في الشرق الاوسط لأنها تشكّل الإطار الذي تتحرك ضمنه هذه الاستراتيجيات.
فالولايات المتحدة حيث انتشار عسكري واسع، قواعد جوية وبحرية، وتحالفات مع السعودية والإمارات وقطر والأردن. أما الصين فممرات تجارية، استثمارات في الموانئ، اتفاقيات طاقة طويلة الأمد، ونفوذ اقتصادي متصاعد مع إيران والسعودية، أما روسيا، فلديها وجود عسكري راسخ في سوريا، وتتمتع بشراكة استراتيجية مع إيران، إضافة إلى نفوذ واسع في القوقاز والبحر الأسود.” أما أوروبا، وتحديداً بريطانيا وفرنسا، فما زالت تحافظ على حضور سياسي وعسكري في الخليج والبحر المتوسط، وتلعب دوراً في ملفات الطاقة والحدود البحرية وتسليح بعض الدول، مستندة إلى إرث تاريخي يجعلها حريصة على منع أي قوة من الانفراد بتحديد مستقبل المنطقة.
هذه الخريطة توضّح أن أي تغيير في بنية الشرق الأوسط سيؤثر مباشرة في مصالح هذه القوى، ما يجعل الصراع الأمريكي–الإيراني جزءاً من معادلة أكبر.
في الوقت نفسه، تشير بعض القراءات إلى أن الضغط المتزايد على إيران وتركيا قد يؤدي إلى تفكك تدريجي في لبنان، وتشتت سياسي في الخليج، وانهيار إضافي في سوريا والعراق. مثل هذا المشهد قد يفتح الباب أمام ظهور فيدراليات متعددة مفروضة من الخارج، تُبنى على أسس قومية أو طائفية أو مناطقية. وتتضمن خريطة الفيدراليات المحتملة ما يلي:
فيدرالية كوردية تمتد عبر شمال العراق وشمال شرق سوريا وأجزاء من تركيا وإيران، وفيدرالية شيعية في جنوب العراق وربما أجزاء من إيران فيدرالية سنية في غرب العراق وشرق سوريا، وفيدرالية علوية على الساحل السوري، وفيدراليات خليجية اقتصادية منفصلة.
هذه التصورات ليست بعيدة عن مقترحات لجنة كينغ -كراين* عام 1919، وتكتسب الإشارة إليها أهمية خاصة، إذ كانت أول محاولة دولية لفهم رغبات شعوب الشرق الأوسط بعد سقوط الدولة العثمانية. فقد أوصت اللجنة بإنشاء كيانات محلية أو فيدراليات تراعي التنوع القومي والديني، واعترفت بالحقوق القومية للكورد، وحذّرت من التقسيمات المصطنعة التي فرضتها القوى الاستعمارية. ورغم أن توصياتها أُهملت لصالح اتفاقية سايكس–بيكو، فإنها تعود اليوم إلى الواجهة في ظل الحديث عن إعادة تشكيل المنطقة وفق خرائط جديدة.
لكن هذا المشروع الأمريكي الأوربي لا يتحرك في فراغ. فالصين وروسيا أصبحتا لاعبين أساسيين في تحديد مستقبل الشرق الأوسط. فالصين، التي تعتمد بشكل كبير على النفط القادم من الخليج وإيران، تسعى إلى استقرار المنطقة لضمان استمرار تدفق الطاقة. ولذلك، فهي تنظر إلى إيران باعتبارها شريكاً استراتيجياً ضمن مشروع الحزام والطريق، وتعمل على منع انهيارها الكامل. وقد ظهر هذا بوضوح في اتفاقية التعاون الشامل لمدة 25 عاماً بين بكين وطهران، وفي الدور الصيني المتزايد كوسيط إقليمي، كما حدث في رعاية الاتفاق السعودي–الإيراني عام 2023.
ولفهم دوافع الصين، يجب النظر إلى خريطة خطوط الطاقة والممرات الاستراتيجية التي تعتمد عليها حيث مضيق هرمز نقطة الاختناق الأساسية للصين، وباب المندب ممر حيوي للتجارة العالمية، وخط باكو- جيهان: بديل للطاقة بعيد عن إيران وروسيا، والممرات الصينية ضمن مشروع الحزام والطريق، هذه الممرات تجعل الصين أكثر حساسية تجاه أي صراع قد يهدد تدفق الطاقة.
أما روسيا، فتتعامل مع الصراع من زاوية مختلفة. فهي ترى في إيران حليفاً ضرورياً في مواجهة الغرب، سواء في سوريا أو في سياق الحرب في أوكرانيا. ولذلك، فإن موسكو لا ترغب في انهيار إيران، لكنها لا تمانع في إضعافها بما يمنعها من التحول إلى قوة إقليمية مستقلة عن النفوذ الروسي. كما أن روسيا تنظر إلى تركيا باعتبارها منافساً وشريكاً في آن واحد. فهي تستفيد من التعاون الاقتصادي معها، لكنها تخشى صعودها الجيوسياسي، وفي حال اندلاع مواجهة تركية–إيرانية، فإن خريطة الصراع المحتمل تتضمن:
– مناطق الاحتكاك: شمال العراق، شمال سوريا، والحدود الشرقية لتركيا.
– التأثيرات المباشرة: المسألة الكوردية، الأمن القومي التركي، النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن .
– التأثيرات غير المباشرة: احتمال تفعيل الناتو، تدخل دولي، وإعادة رسم الحدود.والتي توضّح أن أي صراع بين البلدين لن يكون محلياً، بل سيأخذ طابعاً دولياً واسعاً.
تفاعل هذه القوى – الولايات المتحدة وأوربا والصين وروسيا – يجعل مستقبل الشرق الأوسط مفتوحاً على عدة سيناريوهات. فقد يؤدي الضغط الأمريكي الأوربي إلى تفكيك إيران وتركيا وظهور فيدراليات جديدة، وهو سيناريو قد تتكيف معه الصين وتستغله روسيا. وقد يؤدي الدعم الصيني–الروسي لإيران إلى تشكيل محور مضاد يمنع انهيارها ويعيد رسم التحالفات الإقليمية. كما قد تنجح واشنطن وبكين في التوصل إلى صفقة كبرى تتقاسمان فيها النفوذ، ما يجعل روسيا الطرف الأضعف. وهناك أيضاً احتمال انفجار شامل في المنطقة يؤدي إلى تدخل دولي واسع وإعادة رسم الحدود بالقوة. وفي المقابل، قد يظهر سيناريو أكثر هدوءاً يقوم على إنشاء فيدراليات اقتصادية بدل سياسية، وهو السيناريو الذي تفضّله الصين لأنه يحقق الاستقرار دون تغيير جذري في الخرائط.
في ضوء هذه المعطيات، يكشف تحليل مسار الصراع الأمريكي–الإيراني أنه لم يعد مجرد مواجهة بين دولتين، بل أصبح جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط ضمن نظام دولي متعدد الأقطاب. وتوضح خريطة القوى الكبرى، وخطوط الطاقة، وتقاطعات النفوذ، أن أي تغيير في بنية المنطقة سيؤثر مباشرة في مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا، ما يجعل مستقبل الشرق الأوسط رهناً بتفاعل هذه القوى أكثر من أي وقت مضى.”
“ورغم أن السيناريوهات المحتملة تتراوح بين التفكك وظهور فيدراليات جديدة، أو تشكّل محاور دولية مضادة، أو حتى تسويات كبرى بين القوى العظمى، فإن أياً منها ليس قدراً محتوماً. فالتطورات السياسية والاقتصادية الجارية—من الحرب في أوكرانيا، إلى التوترات في البحر الأحمر، إلى التحولات في أسواق الطاقة—تجعل المنطقة أمام مفترق طرق تاريخي، قد يعيد رسم خرائطها كما حدث قبل قرن، لكن وفق معادلات جديدة تماماً.”
“وهكذا، يبقى الشرق الأوسط ساحة مفتوحة على احتمالات واسعة، تتراوح بين الفوضى وإعادة التشكل، وبين الصراع وبناء توازنات جديدة، في عالم يتغير بسرعة أكبر مما اعتادت عليه المنطقة.
(*) لجنة كينغ – كراين هي لجنة أمريكية أُرسلت عام 1919 إلى بلاد الشام والأناضول بعد سقوط الدولة العثمانية، بتكليف من الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، بهدف معرفة رغبات شعوب المنطقة بشأن مستقبلهم السياسي، وتحديد شكل الحكم الذي يفضّلونه بعد انتهاء الحرب.