الحروب بمسطرة الخيبة.. حسابات الكورد بين الضجيج والنتائج

ياسر بادلي

في العادة تبدأ الحروب بضجيج كبير؛ تصريحات حادة، وتحليلات متسارعة، وخرائط تُرسم على الشاشات كأنها حقائق وشيكة. لكن التجربة تقول إن الحقيقة غالباً ما تختبئ في التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها كثيرون.فبعد أن يهدأ الغبار، وتختفي العناوين العريضة، يبقى سؤال واحد فقط: ماذا تغيّر فعلاً، ومن دفع الثمن؟

في الحالة الكوردية، لا يمكن النظر إلى أي صراع إقليمي، وخصوصاً احتمال المواجهة مع إيران، من زاوية الحماسة أو الانفعال السياسي. فالقضية بالنسبة للكورد ليست اندفاعاً نحو المعارك ولا رغبة في خوض حرب جديدة، بل حساب هادئ لما سيبقى بعد انتهاء الحرب. فالشعوب التي دفعت أثماناً باهظة عبر تاريخها لا تتحرك بدافع الشعارات، بل بدافع التجربة والذاكرة والميزان الصارم للمصالح. ولهذا فإن الاعتقاد بأن الكورد قد ينخرطون في مواجهة مع إيران لمجرد تغير المزاج السياسي في بعض العواصم الكبرى هو قراءة ناقصة للواقع.

فالتاريخ علّمهم أن التحولات في السياسة الدولية قد تكون سريعة ومؤقتة، وأن الوعود التي تبدو كبيرة في لحظة معينة قد تتبخر عندما تتغير الحسابات. من هنا تبدأ الحسابات الحقيقية. الشرط الأول في أي قرار كبير يشبه الجدار الذي لا يمكن تجاوزه: أمن حقيقي ومستقر لإقليم كوردستان. ليس أمنًا مؤقتًا أو هشًّا، بل استقراراً قادراً على الصمود أمام الضغوط والتهديدات، سواء جاءت من صواريخ عابرة أو من تصعيد سياسي أو عسكري من أطراف إقليمية مثل الفصائل المسلحة أو طهران.

فالإقليم الذي استطاع خلال السنوات الماضية أن يبني مساحة من الاستقرار النسبي وسط منطقة مضطربة، لا يمكن أن يخاطر بكل ذلك دون ضمانات واضحة وقابلة للاستمرار.

أما الشرط الثاني فيشبه الباب الذي يفتح على المستقبل: وجود أفق سياسي واقعي لشرق كوردستان داخل إيران. ليس مجرد تعاطف إعلامي أو وعود عامة، بل صيغة سياسية تعترف بوجود الكورد هناك وبحقوقهم الثقافية والسياسية، وربما تفتح المجال أمام شكل من أشكال الإدارة الذاتية أو الفدرالية الذي يمنح المجتمع هناك فرصة للحياة السياسية الطبيعية.

لكن بين هذا الجدار وذلك الباب تقف مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي حدود الممكن في السياسة الدولية. فالكثير من النقاشات التي تدور حول خرائط جديدة للمنطقة تبدو جذابة على الورق، لكنها في الواقع غالباً ما تكون أقرب إلى الخيال السياسي منها إلى الوقائع. فالعالم المعاصر، رغم كثرة أزماته، ليس ميالاً إلى تغيير حدوده بسهولة، ولا يعيد رسمها استجابة لنقاشات إعلامية أو توقعات عاطفية.

لهذا السبب يميل الكورد إلى التعامل مع الوعود الخارجية بحذر شديد، سواء جاءت من سياسيين غربيين أو من شخصيات مثيرة للجدل مثل دونالد ترامب أو غيره. فالتجربة التاريخية تركت درساً واضحاً: الكلمات في السياسة كثيراً ما تكون أخف من الهواء، بينما تبقى الوقائع على الأرض هي التي تحدد المصير.

وفي النهاية، لا يرى الكورد أنفسهم قوة احتياط يمكن استدعاؤها عندما تحتاج القوى الكبرى إلى لاعب إضافي في صراع إقليمي. إنهم شعب يحمل قضية طويلة ومعقدة، وقضية كهذه لا يمكن أن تُدار بردود الفعل أو بالمغامرات العسكرية. بل تحتاج إلى حسابات دقيقة، وضمانات حقيقية، ورؤية واضحة لما سيأتي بعد الحرب لا لما يحدث خلالها فقط.

فالحروب قد تبدأ بالضجيج، لكنها تُقاس في نهايتها بالنتائج. وبعد قرن من التجارب القاسية، بات الكورد يعرفون جيداً أن ميزان السياسة لا يُمسك بالشعارات، بل بمسطرة أخرى أكثر صرامة: مسطرة الخيبة أو مسطرة المكسب. وفي مثل هذه اللحظات المصيرية، لا يكون السؤال كيف تبدأ الحرب، بل كيف تنتهي، ومن سيبقى واقفاً بعدها.

قد يعجبك ايضا