السياسات الإقليمية تجاه الوجود الكردي في الشرق الاوسط. من الجغرافيا المفتوحة إلى الحدود المغلقة

خوشناف سليمان

لم يكن الوجود الكردي في الشرق الأوسط ظاهرة طارئة في التاريخ الحديث. بل هو امتداد اجتماعي وثقافي ضارب في عمق المنطقة الممتدة بين الأناضول وبلاد الرافدين والمرتفعات الإيرانية والجزيرة السورية. غير أن تحول هذه الجغرافيا إلى كيانات سياسية قومية بعد الحرب العالمية الأولى نقل المسألة الكردية من سياقها التاريخي الطبيعي إلى إطار الدولة. الأمة. حيث باتت الهوية تقاس بمدى انصهارها في السردية الوطنية الرسمية.
مع إعادة رسم الخرائط عبر اتفاقية سايكس . بيكو ثم تثبيت الحدود نهائيًا في معاهدة لوزان. جرى توزيع الجغرافيا الكردية بين أربع دول.. العراق. سوريا. تركيا. وإيران. منذ تلك اللحظة. لم تعد القضية الكردية مجرد تعبير عن تنوع ثقافي. بل أصبحت سؤالًا سياسيًا وأمنيًا يتعلق بطبيعة الدولة الحديثة وحدودها وهويتها.
وخلال الثمانينيات تحديدًا. في ذروة الحرب العراقية. الإيرانية. تبلور نمط من المقاربة الإقليمية المتقاطعة تجاه الحركات الكردية. رغم التناقضات والصراعات المباشرة بين هذه الدول. وهنا تكمن المفارقة.. دول تتقاتل عسكريًا. لكنها تتقاطع أمنيًا عندما يتعلق الأمر بالكرد.
أولًا: الأمننة بوصفها مدخلًا لفهم السياسة
لفهم ما جرى. لا بد من قراءة المسألة ضمن مفهوم / أمننة الهوية /. أي تحويل مطالب ثقافية أو سياسية إلى تهديد وجودي للأمن القومي.
في الدول الأربع. ربطت المطالب الكردية . سواء كانت لغوية أو إدارية أو سياسية . بإمكانية تفكيك الدولة أو زعزعة وحدتها الترابية. وهكذا أُدرج الوجود الكردي ضمن منطق الضبط الأمني بدلًا من منطق الاعتراف التعددي.
هذا التحول المفاهيمي أنتج سياسات متعددة المستويات:
عسكرة المناطق الكردية.
إعادة هندسة التوزيع السكاني.
تجريم الرموز الثقافية.
إعادة كتابة التاريخ الرسمي.
أي أن الدولة لم تواجه حركة سياسية فقط. بل سعت إلى إعادة تشكيل المجال الجغرافي والذاكرة الجمعية معًا.
ثانيًا: العراق . من الحرب إلى الإبادة المنظمة
بلغت المقاربة الأمنية أقصاها في العراق خلال حكم صدام حسين. ففي أواخر الحرب العراقية. الإيرانية. أُطلقت حملة الأنفال التي استهدفت القرى الكردية في الشمال.
لم تكن الأنفال عملية عسكرية تقليدية ضد تشكيلات مسلحة. بل مشروعًا لإعادة تشكيل المجال السكاني. دمرت آلاف القرى. و رحل عشرات الآلاف. 182 الف شهيد دفن احياء في مقابر جماعية واستخدم السلاح الكيميائي في حلبجة في مشهد صار رمزًا لمأساة القرن العشرين في المنطقة. استشهد نتيجتها اكثر من 5000 الاف شهيد
إلى جانب ذلك. استمرت سياسات التعريب في كركوك وخانقين ومخمور. عبر تغيير السجلات المدنية ونقل عائلات عربية إلى مناطق ذات أغلبية كردية. هنا لم يكن الهدف أمنيًا فقط. بل ديمغرافيًا. أي إعادة صياغة الخريطة السكانية بما يخدم تصورًا سياسيًا طويل الأمد.
كما تعرض الكرد الفيليون لعمليات سحب جنسية وترحيل قسري. ما يعكس انتقال الدولة من منطق الضبط إلى منطق الإقصاء الكامل.
وخلال الحرب العراقية . الإيرانية. تحولت بعض المناطق الكردية إلى ساحات عمليات جانبية. فالمجال الكردي لم يُعامل كأرض محايدة. بل كحيز قابل للاستهداف. سواء بدعوى ملاحقة مقاتلين أو في سياق رسائل ردع سياسية.
ثالثًا: سوريا . الهندسة الصامتة للهوية
في سوريا. اتخذت السياسات طابعًا مؤسسيًا طويل الأمد.
بدأت جذور الأزمة مع الإحصاء الاستثنائي عام 1962. الذي جرد بموجبه عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية. ما خلق فئة واسعة من عديمي الحقوق.
لاحقًا. وفي عهد حافظ الأسد. نُفذ مشروع الحزام العربي في شمال شرق البلاد.
هدف المشروع إلى:
تغيير التوازن الديمغرافي في محافظة الحسكة.
فصل الامتداد الجغرافي الكردي عن تركيا والعراق.
إعادة توزيع السكان بما يضمن سيطرة مركزية محكمة.
ترافقت هذه السياسات مع منع التعليم باللغة الكردية. وتقييد تسجيل الأسماء الكردية. ومنع الاحتفالات الثقافية. وعندما انفجرت التوترات في أحداث قامشلو. ظهرت هشاشة البنية الاجتماعية التي صنعتها عقود من التمييز البنيوي.
في الحالة السورية. لم يكن القمع صاخبًا دائمًا. بل كان إداريًا–قانونيًا. يتسلل عبر القرارات البيروقراطية التي تعيد تعريف من هو المواطن ومن هو /الآخر/.
رابعًا: تركيا . الهوية في ظل العسكرة
بعد انقلاب 1980، شددت الدولة التركية قبضتها على المناطق ذات الأغلبية الكردية. فرضت قيود على اللغة الكردية في الإعلام والتعليم. وأُعلنت حالات طوارئ طويلة في الجنوب الشرقي.
في سياق الصراع مع حزب العمال الكردستاني. تحولت المطالب الثقافية إلى قضية أمن قومي. أُخليت قرى. ونفذت عمليات عسكرية عبر الحدود في العراق وسوريا.
هنا يتجسد منطق /التهديد الممتد/. حيث تُقرأ أي حركة كردية في دولة مجاورة بوصفها انعكاسًا مباشرًا على الداخل التركي. وهكذا تصبح الحدود خطوطًا مرنة في الحساب الأمني. حتى لو كانت ثابتة في القانون الدولي.
خامسًا: إيران . مركزية الثورة وهوامش الأطراف
بعد ثورة 1979 بقيادة روح الله الخميني. اندلعت مواجهات في المناطق الكردية الإيرانية.
نُظر إلى الأحزاب الكردية باعتبارها تهديدًا لمركزية الدولة الجديدة. فجرى التعامل معها عسكريًا وأمنيًا.
ورغم الحرب الضروس مع العراق. ظلّ الملف الكردي حاضرًا في الحسابات الأمنية الإيرانية. ما يعكس أن المسألة الكردية كانت تُقرأ بوصفها متغيرًا داخليًا . إقليميًا في آن واحد.
سادسًا: التنسيق غير المعلن ومنطق / خطر العدو المشترك /
المفارقة الكبرى أن الحرب بين بغداد وطهران لم تمنع وجود ترتيبات أمنية ظرفية تتعلق بمنع تحركات المقاتلين الكرد عبر الحدود.
تشير شهادات تاريخية متعددة إلى وجود تفاهمات ضمنية سمحت بتوغلات محدودة لملاحقة مجموعات مسلحة. بما يعكس تصورًا مشتركًا بأن المسألة الكردية عابرة للحدود الوطنية.
هنا يتضح أن الدول الأربع. رغم اختلاف أيديولوجياتها (بعثية. قومية تركية. جمهورية إسلامية). تشاركت تصورًا واحدًا:
أن أي مكسب كردي في إحدى

قد يعجبك ايضا