هل يُعاد ترتيب الملف السوري بطريقة قد تمسّ موقع الكورد؟

سالي علي

في النزاعات الممتدة زمنيًا، لا تأتي التحولات الحاسمة عبر إعلان رسمي، بل عبر تغيّر تدريجي في سلوك القوى الكبرى: تخفيض حضور عسكري هنا، فتح قناة تفاوض هناك، إعادة تعريف الأولويات في ملفات أخرى. هذه التحولات الصامتة هي التي ترسم مستقبل الصراعات قبل أن تدركها الأطراف المحلية.

المشهد السوري يدخل اليوم إحدى هذه المراحل الحساسة، حيث تتقاطع إعادة حسابات دولية مع مصالح إقليمية متعارضة، ما يجعل المناطق الكوردية في شمال وشرق سوريا جزءًا من معادلة إعادة التوازن، لا مجرد ملف محلي معزول.

لماذا يكتسب الموقع الكوردي حساسية خاصة الآن؟

المناطق التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية تمثل نقطة التقاء لعدة عناصر استراتيجية في آن واحد:
•موقع جغرافي ملاصق لتركيا، الدولة العضو في الناتو.
•موارد طاقة وزراعة مهمة ضمن الاقتصاد السوري المنهك.
•ملف أمني دولي مرتبط بعناصر تنظيم داعش.
•شراكة عسكرية قائمة مع الولايات المتحدة.

هذا التداخل يجعل المنطقة ورقة ذات قيمة تفاوضية مرتفعة في أي إعادة ترتيب إقليمي.

التحول في حسابات واشنطن

السياسة الأميركية في سوريا لم تُبنَ على مشروع سياسي طويل المدى، بل على إدارة مخاطر محددة: مكافحة الإرهاب، احتواء الخصوم، وتقليل الكلفة العسكرية.

ومع انتقال الاهتمام الأميركي نحو منافسات دولية أوسع، يصبح السؤال الواقعي:

ليس هل ستنسحب واشنطن… بل كيف ستعيد توزيع التزاماتها.

وهذا الفارق مهم، لأن إعادة التوزيع لا تعني بالضرورة التخلي، لكنها تعني تغيير قواعد الاعتماد.

شبكة المصالح الإقليمية

التعقيد الحقيقي لا يأتي من القوى الكبرى فقط، بل من تقاطع أهداف اللاعبين الإقليميين:
•تركيا تسعى لمنع تشكل كيان كوردي منظم قرب حدودها.
•دمشق تريد استعادة السيادة على كامل الجغرافيا.
•إيران تفضل تقليص الوجود الأميركي.
•روسيا تدعم إعادة مركزية الدولة السورية ضمن نفوذها.

هذا التقاطع لا يعني وجود صفقة جاهزة، لكنه يخلق بيئة تسمح بتفاهمات مرحلية متغيرة.

هل توجد صفقة فعلية؟

حتى الآن لا توجد مؤشرات موثقة على اتفاق دولي شامل بشأن المناطق الكوردية.

لكن ما يوجد هو بيئة سياسية مرنة تتسم بـ:
•إعادة تقييم الانتشار العسكري الدولي.
•ضغوط لفتح مسارات تفاوض مع دمشق.
•رسائل طمأنة متناقضة من الأطراف الدولية.
•اختبار حدود النفوذ بين القوى الإقليمية.

وهذه سمات مراحل إعادة التوازن الكبرى في العلاقات الدولية.

السيناريوهات الأقرب واقعيًا
1.ترتيبات أمنية جديدة مع ضمانات سياسية محدودة
2.استمرار الوضع الحالي مع تعديلات تدريجية
3.تصعيد عسكري إذا انهار التوازن الدولي فجأة.

السيناريو الثاني لا يزال الأكثر ترجيحًا على المدى القريب.

العامل الحاسم: القوة الذاتية

التجارب السياسية تثبت أن مصير المناطق المتنازع عليها لا تحدده التفاهمات الدولية وحدها، بل:
•تماسك القيادة المحلية
•الشرعية الشعبية
•القدرة التفاوضية
•العلاقات الإقليمية المتوازنة

كلما زادت هذه العناصر، تقل احتمالات فرض ترتيبات خارجية غير مرغوبة.

الخلاصة الاستراتيجية

المشهد الحالي لا يشير إلى صفقة ضد الكورد، لكنه يشير بوضوح إلى مرحلة إعادة توازن دولي قد تغيّر قواعد اللعبة تدريجيًا.

وفي مثل هذه المراحل، لا تكون المخاطر على الأطراف الضعيفة فقط، بل على الأطراف التي تعتمد على الضمانات الخارجية أكثر من اعتمادها على أدوات قوتها الذاتية.

السؤال الأهم ليس:
هل توجد صفقة؟

بل:
هل يمتلك الكورد ما يكفي من عناصر القوة ليكونوا جزءًا من أي صفقة… لا موضوعًا لها؟

قد يعجبك ايضا