ديمة جمعة السمان
ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية المقدسية الأسبوعية ديوان الشعر القصصي “إنّ من الشّعر لحكمة” للشاعر د. عز الدين أبو ميزر.
الديوان يقع في333 صفحة من القطع المتوسط، يحتوي على أشعار قصصية تتميز بأنها تحمل تجربة إنسانية ومعرفية ناضجة.
افتتحت مديرة الندوة ديمة جمعة السمان، التي رحبت بالشاعر ورواد الندوة وقالت:
في ندوة اليوم السابع الثقافية المقدسية، نلتقي اليوم مع تجربة شعرية ناضجة ومتجذّرة في الوعي والذاكرة، ونقف عند ديوانٍ يصدق عليه القول العربي القديم: “إن من الشعر لحكمة”، للشاعر الدكتور عزالدين حسني أبو ميزر. هو ابن القدس، المولود فيها عام 1938، الذي تشكّل وعيه بين مدارسها، ورافقته النكبة وهو طفل، فكانت الكلمة ملاذه المبكر. نهل حسه اللغوي من بيئةٍ شفوية غنية؛ أبٍ حفظ الشعر رغم أميّته، وأمٍ اختزنت الحكمة في أمثالٍ عامية بالغة الدقة، فترسّخت في داخله علاقة عميقة بالكلمة والمعنى.
جمع الدكتور أبو ميزر بين العلم والأدب؛ درس طب وجراحة الأسنان في جامعة دمشق، ومارس المهنة دون أن ينقطع يومًا عن الشعر. كتب منذ شبابه، ونشر في الصحافة المقدسية، ثم واصل الكتابة بصمت حتى تفرغ لها بعد التقاعد، فكان العطاء أوفر والنص أكثر نضجًا. أصدر ديوانه الأول المطبوع “توأم الروح” بعد انتمائه إلى ندوة اليوم السابع، وتلاه إصدار إلكتروني مهداة من مجلة همسات فوق أوراق الصمت، وها هو اليوم يقدّم ديوانه الثالث الإلكتروني “إن من الشعر لحكمة”، على أن يتبعه ديوان “رحيق الزنابق” في الشعر الغزلي والعاطفي، إضافة إلى رصيد شعري كبير غير مطبوع يشكّل أكثر من خمسة دواوين، وديوان ضخم بعنوان “حصاد الأيام” يزيد على عشرة آلاف بيت من الشعر العمودي.
يأتي هذا الديوان خلاصة تجربة طويلة، شعرٌ عمودي رصين، يؤمن أن الشعر حكمة وفكرة وموقفًا من الحياة. بهذه الروح، نفتح نقاشنا اليوم، مرحّبين بالشاعر والديوان، ومؤكدين أن من الشعر… حقًا… لحكمة.
وأضافت السمان:
وفي هذا الديوان “إن من الشعر لحِكمة” يدخل القارئ إلى عالم مكتمل الرؤية، تتجاور فيه الحكمة مع الحكاية، والقصيدة مع القصة، والذات مع القضيّة.
ويجدر في التمهيد أن نتوقف عند لفتة الوفاء التي يفتتح بها الشاعر ديوانه، إذ يقدّم شكره للأديب إبراهيم جوهر، وللأديب جميل السلحوت، ثم لزوجته السيدة دولت الجنيدي، توأم روحه وسنده، في إشارة إنسانية صادقة تكشف مبكرًا عن طبيعة هذا الصوت الشعري الذي لا يفصل الإبداع عن الامتنان، ولا الحكمة عن العِشرة.
يؤكد الديوان قدرة فريدة على صوغ القصيدة القصصية بمهارة لافتة، تجمع بين التكثيف حين تقتضي الفكرة الإيجاز، والامتداد حين يستدعي المعنى فسحة سردية أوسع. فكل موضوع يتحوّل إلى حكاية شعرية متماسكة، ثم يُختتم ببيت محكم يعيد للنص توازنه الجمالي والفكري.
هذا الإحكام في البناء يمنح القصائد طابعها التعليمي غير المباشر، ويجعل الحكمة تنبثق من السياق بسلاسة
ويبرز في الديوان حضورٌ واضح للقضية الفلسطينية، بوصفها جرح إنساني مفتوح، مقرون بنقد واعٍ للتخاذل العربي، يقدّمه الشاعر بلغة موزونة، بعيدة عن الخطابة، قريبة من الوجدان.
إلى جانب ذلك، تتلألأ قصائد مستوحاة من التراث، والأمثال الشعبية، وحكايات الملوك والبسطاء، وأخرى على ألسنة الحيوانات أو في وصفها، كما في رمزية الأسد والواوي، أو الثعلب الذي يغدو ملك الغابة. وهو توظيف ذكي، مبطن، غير مباشر، لكنه عميق الدلالة، يفضي إلى حكمة، أو عبرة، أو إعادة نظر في قصة مألوفة.
تنوع العناوين في الديوان هو دلاليٌّ بامتياز؛ إذ تتوزع القصائد بين الخُلُق، والثأر، والعفو، والعفّة، وجبر الخواطر، وبرّ الوالدين، والشجاعة، والمروءة، والنذالة، والسخرية، والعدل، وكيد النساء، والعاقل والسفيه، وصولًا إلى حكم مختزلة مثل: الحق أحق، اختر كلماتك، ويبقى الله هو الأعلى، كلمة خير، والعار عليك. عناوين منتقاة برويّة وذكاء، تشي بأن الشاعر يعرف طريقه إلى القارئ دون حواجز.
واللافت أن العلاقة بين الكاتب والشعر هنا علاقة عشق قديم لا يفتر؛ فمنذ أن قرأ “بحور الشعر” في الصف الرابع الابتدائي، اتحدا روحًا واحدة في كيانين.
لذلك تأتي النصوص صادقة، بلا لبس، توقظ في القارئ شعورًا داخليًا مؤثرًا، وتضعه أمام مفترق الخير والشر، وتحذّره من الغفلة، وتوقظ فيه النفس اللوّامة. إنه شعر موزون، جميل، ممتلئ بالحِكم والنصائح، لكنه قبل ذلك وبعده شعر حيّ، كُتب بقلب إنسان.
وقال محمود شقير:
أمضيت ساعات من المتعة الخالصة مع ديوانك الشعري الشامل، وهو المكرس للشعر القصصي الذي تراوحت قصائده بين مقطوعات مكثّفة قصيرة، وأخرى طويلة بحسب القضية المطروحة على بساط الشعر. وقد لفتت نظري قدراتك المؤكّدة على تحويل كلّ موضوعة تتناولها إلى قصة شعرية أو قصيدة قصصية فيها كلّ سمات الشعر ومزاياه من وزن وقافية وموسيقى وعاطفة وفكر وإمتاع، وفيها في الوقت ذاته سمات القصّة من سرد وإخبار ومن توتّر درامي يصل حدّ الذروة ثم تنتهي القصيدة ببيت من الشعر يشكّل خاتمة مقنعة للحدث القصصي الشعري. وخلال الإبحار في عالمك الشعري لاحظت أنك تطرقت إلى وفرة من قضايا النفس البشرية وعلاقتها بالدين وبأخلاقيّاته السمحة، وبمختلف مظاهر السلوك البشري، علاوة على تخصيصك عددًا غير قليل من القصائد للقضية الفلسطينية ولمعاناة الشعب الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي ولتخاذل الحكّام العرب. وثمة في الديوان قصائد مشتقّة من تراثنا الأدبي وأمثالنا الشعبية ومن قصص الملوك وفقراء الناس، علاوة على قصائد جاءت على لسان الحيوانات، أو جاءت وصفًا لها ولتصرّفاتها للخروج منها بحكمة أو عبرة ما، أو قصائد جاءت لإعادة النظر في قصة ما. كلّ ذلك، مما لا تحدّه أسطر قليلة موجزة، جاء بلغة جميلة عذبة وبجرس موسيقي جذاب، وتنويع في القوافي، وقدرات فنية مثيرة للإعجاب. مع تمنياتي لك بموفور الصحة ودوام الإبداع.
وقالت د. روز اليوسف شعبان:
يشير عنوان الديوان إلى أهميّة الشعر، ليس كحافظ للتراث فحسب، وإنّما بوصفه حاملًا للحكمة، وناقلًا للتجربة الحياتيّة، ومهذّبًا للنفس، ومقوّمًا للسلوك. وشاعرنا د. عزّ الدين، يجعل من ديوانه هذا مدرسةً للقيم والتمسّك بالأخلاق، إلى جانب تسليط الضوء على عيوب مجتمعنا، ورجال السياسة والقادة، بأسلوب حكائيّ لا يخلو من الفكاهة والرمزيّة.
بنيت جميع قصائد الديوان، وفق مبنى القصيدة الحكائيّة، الّتي تميّز تيّار الحداثة في الشعر الحديث. فلكلّ قصيدة حكاية، أو حدث، أو مشكلة، وتحوي على عنصريّ الزمان، والمكان، والشخصيّات، والنهاية. أمّا النهايات فغالبًا ما تحمل بعدًا فلسفيًّا تأمليًّا أو حكمة.
تعرّف الوكبيديا القصيدة الحكائيّة كما يلي: القصيدة الحكائية (أو الحكاية الشعريّة) هي نوع أدبيّ يدمج بين السرد القصصيّ والوزن الشعريّ، حيث تروي أحداثًا متسلسلة، تتضمّن شخصيّات، زمانًا، ومكانًا، وغالبًا ما تنتهي بمفاجأة أو حكمة. تعتمد على الرموز وتجسد قيمًا أخلاقيّة أو وطنيّة، ويعتبر أمير الشعراء أحمد شوقي من أبرز روادها في العصر الحديث، خاصة في حكاياته للأطفال.
يمكننا تقسيم مواضيع القصائد\الحكايات في ديوان أبو ميزر إلى الموضوعات الاجتماعيّة: يغلب عليها الطابع التربويّ والأخلاق والسلوك الإنسانيّ، الّتي تُعالج قيمًا مهمّةً مثل: التربية، والسلوك اليوميّ، والقدوة الحسنة، كلمة خير، الرشوة، الخداع وغيرها… من هذه القصائد:
قوِّم بالخلق، الذئب، الثواب والعفو، العاقل والسفيه، حسبك عيب، عففت فنلت، لا حقّ إذا رشي القاضي. ومن هذه القصيدة الأخيرة أقتبس الأبيات التالية (ص 109)
في القرية قاضٍ كان اتّخذ الرشوة للعيش سبيلا
والحقّ لديه لمن هو يدفع قبل الحكم المعدولا
وإذا الخصمان هما دفعا فالخاسر من دفع قليلا.
تبرز هذه القصائد فكرة أنّ الأخلاق هي ميزان الإنسان، وأنّ التربية لا تقوم على العنف والرشوة والفساد، بل على القيم والمحبّة والصدق والاستقامة.
ومن الموضوعات الاجتماعيّة، نجد بعض القصائد التي تعالج العلاقات الأسريّة والإنسانيّة، علاقة الإنسان بالآخر. من هذه القصائد: النسوان، حسبك، عيب، الثواب، والعفو.