محمد علي محيي الدين
كان بشير يوسف فرنسيس واحداً من أولئك الرجال الذين لا يكتفون بأن يعيشوا زمنهم، بل يصنعون له ذاكرة، ويمنحونه عمقاً حضارياً يربطه بأقدم العصور. وُلد في الموصل سنة 1909، في مدينة تتقاطع فيها طبقات التاريخ كما تتقاطع فيها الثقافات، فكان ميلاده أشبه بإشارة مبكرة إلى الدور الذي سيؤديه لاحقاً بوصفه باحثاً ومؤرخاً ومترجماً وأحد رواد المدرسة الآثارية العراقية، إلى جانب أعلام كبار مثل طه باقر، وفؤاد سفر، ومحمد علي مصطفى، وغيرهم ممن كرسوا أعمارهم لصيانة ذاكرة العراق القديمة.

نشأ بشير في بيت يفيض بالعلم والأدب. كان والده من مثقفي الموصل البارزين، جمع بين دراسة الدين واللغة العربية، وتعلّم الفرنسية في مدرسة الآباء الدومينيكان، ثم تمرّس في فنون الطباعة حتى أصبح من روادها، متنقلاً بين مطبعة الولاية ومطبعة الآداب في بغداد، ثم في إدارة مطبعة الزوراء. وكان بشير يرافقه في أغلب تنقلاته، فيدخل عالم الحروف مبكراً، ويشم رائحة الحبر، ويرى الكلمة وهي تولد على الورق. هناك تعلّم أسرار التصحيح والطباعة، وهناك أيضاً بدأت ملامح شخصيته الثقافية تتشكل. ولم تمض سنوات حتى أخذت الصحف تنشر بعض مقالاته، وتلقى تشجيعاً من أعلام الثقافة مثل فهمي المدرس، وإبراهيم صالح شكر، وعبد الحسين الأزري، فكان ذلك بمثابة اعتراف مبكر بموهبته.
ولم يكن تأثير والدته أقل عمقاً في تكوينه. فقد كانت امرأة متعلمة، درست الفرنسية وآدابها، وتلقت دروساً في التاريخ والجغرافية والعلوم، وحاولت أن تنقل إلى ابنها ما امتلكته من معرفة وحس ثقافي رفيع. غير أن القدر لم يمهلها طويلاً، إذ توفيت بعد الحرب العالمية الأولى وهي في ريعان شبابها، فتركت في نفس الطفل بشير حزناً مقيماً، لكنه حزن تحول مع الأيام إلى طاقة داخلية دفعت به إلى التعلق بالعلم والكتب، وإلى ملازمة والده في حضوره الندوات الأدبية ومجالس المثقفين.
بسبب تنقلات عمل والده، تنقل بشير في دراسته بين الموصل وبغداد، حتى أكمل دراسته العليا في دار المعلمين العالية، وتخرج فيها عام 1931 متخصصاً في تدريس التاريخ القديم. وهناك تتلمذ على أيدي كبار علماء العراق، أمثال الأب أنستاس الكرملي، وناجي الأصيل، وساطع الحصري، وكان زميلاً لثلة من الأسماء التي ستصبح لاحقاً أعمدة في الثقافة العراقية، مثل طه باقر، وناجي معروف، وفؤاد سفر، وكوركيس عواد، وميخائيل عواد، وحميد المطبعي. وقد أجمعوا على محبته، وأشادوا بأخلاقه العالية ودماثة طبعه ونزاهته العلمية.
بدأ حياته المهنية مدرساً للتاريخ، واستمر في التعليم حتى عام 1938، حين شاءت المصادفة أن تغيّر مسار حياته. كان جالساً في بيت ساطع الحصري، وبين يديه كتاب للمستشرق غي لسترنج عن بغداد في عهد الخلافة العباسية، فتصفحه الحصري، ثم التفت إليه فجأة قائلاً: «يا بشير، هل لك رغبة في أن تعمل في مديرية الآثار؟». كانت تلك العبارة القصيرة بمثابة باب فُتح على مصير جديد. انتقل إلى العمل في الآثار في العام نفسه، وكأن روحه كانت تنتظر تلك اللحظة منذ زمن بعيد.
وفي عام 1941 أصبح مفتشاً عاماً لمديرية الآثار، فانفتح أمامه العراق كله: شماله وجنوبه، سهوله وجباله، صحراؤه وأنهاره. جاب المواقع الأثرية، وشارك في التنقيب في تل حسونة، وإريدو، والحضر، وواسط، وتل حرمل، وعقرقوف، وسامراء، وغيرها من المواقع التي تشكل العمود الفقري لتاريخ الحضارة الإنسانية. وكان من أبرز إنجازاته اكتشاف سور نينوى في الموصل وباب نركال المزيّن بالثيران المجنحة، وهو اكتشاف يعيد إلى الذاكرة عظمة آشور وهيبتها.
لم يكن بشير فرنسيس مجرد منقّب، بل كان مؤرخاً ميدانياً يسجل كل ما يراه، ويحلله، ويدرسه، ويضعه في سياقه العلمي الدقيق. دوّن ملاحظاته في ملفات خاصة بدائرة الآثار، ونشر بحوثه في مجلة «سومر» منذ صدور عددها الأول سنة 1945، مؤكداً من خلال أعماله أن العراق هو مهد الحضارة، فيه نبتت أولى بذورها، وفيه بلغت أوج نضجها في العصور القديمة ثم العباسية.
وكان ريادياً لا في فك ألغاز الكتابات السومرية وحدها، بل في تنظيم حركة التنقيب نفسها، وفي الدفاع عن سيادة العراق على آثاره. واجه أخطاراً جسيمة في أسفاره وتنقيباته، خاصة في المناطق الشمالية الوعرة والمناطق الجنوبية الخطرة، لكنه واصل عمله بإصرار نادر. وتعامل بحكمة ولباقة مع علماء ومستشرقين أجانب، مثل المس بيل، وسدني سميث، وسيتون لويد، وغيرهم، محافظاً على كرامة الآثار العراقية، ومدافعاً عنها أمام القضاء، وملاحقاً المهربين والمتجاوزين بلا تردد.
في حياته العائلية كان رجلاً بسيطاً محباً للعلم. تزوج من امرأة تشاركه حب المعرفة، وتعشق كتابة الخواطر، وكرست حياتها لتعليم الأطفال. أنجبا ثلاثة أبناء وبنتاً واحدة. مضى الابن الأكبر في طريق العلم ونال الدكتوراه في المحاسبة من إنكلترا، والثاني حصل على الماجستير في العلوم المالية، أما الثالث فكان مهندساً واختطفه الموت مبكراً قبل أن يبلغ الثلاثين. أما ابنته الوحيدة جنان، المهندسة المتقاعدة، فقد كان لها فضل عظيم في جمع أوراق والدها وتنظيمها وتنضيدها، وصون تراثه الفكري من الضياع، فكانت بحق امتداداً لرسالته العلمية.
رحل بشير يوسف فرنسيس عام 1994 عن عمر ناهز الخامسة والثمانين، بعد أن ترك خلفه ثروة فكرية كبيرة في التاريخ والآثار والترجمة. من كتبه: «دروس في التاريخ»، و«ملحمة كلكامش والطوفان»، و«نبذ تاريخية في أصول أسماء الأمكنة العراقية»، و«بغداد تاريخها وآثارها»، و«موسوعة المدن والمواقع في العراق»، و«عقائد سكان العراق القدماء في العالم الآخر». أما في الترجمة فقد نقل إلى العربية أعمالاً مفصلية، منها كتب غي لسترنج عن بغداد وبلدان الخلافة الإسلامية، وكتاب «الرافدان» لسيتون لويد، و«العراق في القرن السابع عشر كما رآه الرحالة تافرنييه»، و«بغداد والقسطنطينية» لستيفن رانسيمن.
شارك في مؤتمرات علمية بارزة، منها مؤتمر الآثار الأول في دمشق، ومؤتمر ابن سينا في أوائل الخمسينات، وحصل تقديراً لجهوده على أوسمة من وزارة المعارف العراقية ومن جامعة الدول العربية.
إن سيرة بشير يوسف فرنسيس ليست مجرد سيرة عالم آثار، بل هي سيرة رجل آمن بأن حماية الماضي هي شكل من أشكال حماية المستقبل، وبأن الحضارة لا تُصان إلا بعقول تعرف قيمتها وقلوب تخلص لها. لقد عاش حارساً أميناً لذاكرة العراق، وترك اسمه محفوراً لا على صفحات الكتب وحدها، بل في تراب البلاد الذي أحبّه ونقّبه ودافع عنه حتى آخر أيامه.