الستيني يروي تجربته (8) رسالة إلى من هم دون الأربعين

د.ابراهيم احمد سمو

حين يقلّ الوفاء… تبقى التجربة رسالة

كنا نعتقد، في مرحلةٍ ما من أعمارنا، أن العمر ما زال في أوله، وأن الطريق ما زال مفتوحًا على احتمالات واسعة، لكننا أخطأنا في التقدير. فالعمر، حتى حدود الأربعين، ليس زمنًا للتجربة العابرة فقط، بل هو المساحة الأهم لاكتشاف الإشارات الحقيقية للحياة. فإذا بلغ الإنسان هذا العمر ولم تَظهر بوادر من يمدّ له يد العون، ولم يشعر بأن يد الله من خلفه تسنده، فليتوقف قليلًا، وليُعيد النظر، وليختر طريقًا آخر أو عملًا آخر، دون عناد أو مكابرة.

فمن التجربة تُولد الحكمة، ومن الحكمة يُصنع المثال الذي يُحتذى به. ونحن هنا لا نكتب لمجرد الكتابة، بل نُسجّل تجربة، ونُدوّن خلاصة سنوات، ونُخاطب جيلًا بعينه: جيل من هم دون الأربعين. نعم، هذا العمر تحديدًا، لأن من لم يتلمّس فيه بوادر الانفراج، فمتى سيتلمّسها بعد ذلك؟ هذا سؤال مشروع، وربما يكون موضوعًا لبحث آخر.

مقالاتنا، في جوهرها، تمسّ حالتين أساسيتين، لا سيما في المجال السياسي. ففي هذا الميدان تحديدًا، إن لم يكن هناك من يدفعك إلى الأمام، شخصٌ مؤثر، صاحب قرار، أو جهة يُؤخذ برأيها، فإن الاستمرار يصبح مغامرة غير محسوبة. قد تمتلك الفكر، والموهبة، والكفاءة، لكن الواقع يقول إن الدعم يصنع الفارق. أما في الوظيفة والعمل المؤسسي، فذلك حديث آخر له معاييره المختلفة.

وفي الدول المتقدمة، قد يكون الاجتهاد والابتكار كافيين لفتح الأبواب، أما في الدول النامية والفقيرة، وخصوصًا في منطقتنا بالشرق الأوسط، المشتعلة بالحديد والنار، فإن اختراق جدران النجاح ليس أمرًا سهلًا. هناك، تتداخل السياسة بالواقع، وتتشابك المصالح، ويصبح الطريق وعرًا مهما بلغت الكفاءة.

ومن هذا المنطلق، أجد من الواجب، ومن باب الأمانة للتجربة، أن أُشير هنا وهناك، على أمل القبول والرضا. وإن لم تُعجب هذه الكلمات أحدًا، فهي في النهاية تجربة شخصية نضعها أمام الإخوة القراء، لا ادّعاءً للحقيقة المطلقة، بل بحثًا عن فهمٍ أعمق لطرق النجاح ومزالقه.

ولا أنسى هنا قول والدي، رحمه الله، الذي ما زال يرنّ في أذني حتى اليوم، حين قال: (يا بُني، في السياسة، إن لم تجد من يُسندك ويقوّي ظهرك، فانسحب فورًا، ولا سيما وأنت خريج كلية. اذهب إلى عملك الوظيفي، فهو أضمن. أما إن وجدت من يُساندك، فاستمر، وستصل.

وقد وجدنا من يُساندنا فعلًا، لكن الصعوبات واجهتنا كثيرًا. ومع ذلك، وبقدر ما يُرضي الناس، وصلنا. وشكرنا منذ البداية، ولا نزال نشكر حتى اليوم، لأن الطاقات لا تزدهر إلا بالدعم، والدعم – للأسف – صعب المنال. وإن أتى، جاء الخير معه.

لكن المؤلم حقًا أن الإنكار كان كبيرًا، والوفاء كان قليلًا. ومع ذلك، بقينا أوفياء. أوفياء للتجربة، وللكلمة، ولمن وقف معنا، ولمن خذلنا أيضًا، لأن الوفاء قيمة لا تُقاس بردود الأفعال، بل بثبات المبدأ.

هذه كلماتنا إليكم… لا نُقدّمها كوصايا، بل كشهادة عمر، علّها تُضيء طريقًا، أو تختصر ألمًا، أو تُجنّب أحدكم خيبة تجربة.

قد يعجبك ايضا