د.ابراهيم احمد سمو
بين الندم والتجربة: رسائل متأخرة لمن هم في منتصف الطريق
بين بين، يتوقف العقل أحيانًا، ويغفو الفكر في حالة سباتٍ ثقيل، خصوصًا حين يبلغ الإنسان مرحلة عمرية متقدمة، حيث يغلب الصمت، ويصبح أثقل من الكلام. هذا الصمت لا يأتي من فراغ، بل يولد من هول الندم وكثرة التأسفات على أمور كان الأجدر بنا أن ننتبه لها في وقتها، أو على العكس، أن نبتعد عنها دون تردد. كنا نظن أن حسن النية يكفي، وأن التدخل بدافع الخير فضيلة مطلقة، لكننا اكتشفنا متأخرين أن بعض النوايا الحسنة تسرق أعمارًا كاملة، وأن الأيام والساعات قد تطير دون أن نشعر.
كثيرًا ما انشغلنا بما لا يعنينا، وتدخلنا في شؤون لم يُطلب منا التدخل فيها، لا رسميًا ولا حتى شفهيًا. أقنعنا أنفسنا أن ما نقوم به (خدمة في وجه الله) ،بينما الحقيقة أن الخدمة حين لا تُطلب قد تتحول إلى عبء على صاحبها. كم مرة حدث ذلك في مواقع القرار، حين يُطلب سد فراغٍ ما، فيُسارع الإنسان إلى ترشيح أو تقييم شخص لم يطلب المساعدة أصلًا، بينما كان الأولى أن يقول بوضوح: هذا فكري، وهذا قلمي، وهذه جهودي، وهذا سجلّي المهني المليء بالإنجازات والدورات والنجاحات، ولا يمكن أن تُمنح مجانًا.
نقولها اليوم بوضوح: احذروا أن تعطوا جهدكم بلا مقابل، كما فعلنا نحن، فندمنا. احذروا نكران الذات بدعوى كسب كلمة ود، فهذه الكلمة قد تأتي وقد لا تأتي. والأسوأ أن من أفنيت عمرك في خدمتهم قد يمرون بك يومًا وكأنك لم تكن. في البداية كانت الدعوات والصلوات، وعبارات (نحن في الخدمة حتى الموت)،ثم ما لبث كل شيء أن تبخر، وذهب الجهد مع مهب الريح، وخرج الجميع إلى التقاعد، كلٌّ إلى طريقه.
الأعجب من ذلك، أنه بعد مرور ثلاثين عامًا أو أكثر، يعود بعضهم ليقول: أنت صاحب فضل، ألا تستطيع أن تؤمّن لنا عملًا خارجيًا من خلال علاقاتك؟عجيب أمر الإنسان فعلًا. طلاب سعينا لإدخالهم الجامعات، وبذلنا المستحيل ليكملوا تعليمهم، فتخرجوا، وأصبحوا قادة ومسؤولين، ثم نُسي من شارك في صناعة هذه القيادات، وكأن الأمر لم يكن.
لا نذكر هذه الأمثلة شوقًا لعودة أحد، ولا رغبة في استعادة دور مضى، بل ألمًا، وتفريغًا للغليل، ونصيحة صادقة لمن هم في منتصف الطريق. أنتم اليوم في عمر يسمح بالتدارك، فكونوا حذرين، ولا تقدموا خطوة دون دراسة، ولا تسعوا لكسب الود على حساب أنفسكم، ولا من أجل غاية مبهمة، ولا مقابل دراهم قليلة، فالثمن قد يكون أعماركم.
تعلموا من تجاربنا، وخذوا منها أوراق اعتماد لمسارٍ أكثر اتزانًا. وإذا رأيتم نزاعًا، فاتصلوا بالجهات المختصة ولا تتدخلوا، فبعض التدخلات تجرّ الإنسان إلى مسارات لم يكن يومًا جزءًا منها. هذا لا يعني التخلي عن الإنسانية، بل يعني ممارستها بوعي. أدّوا أعمالكم بأمانة، دون تمييز، ودون مجاملة، حتى لو كان الطريق متعبًا، ففي التعب راحة ضمير.
أما العلم، فنقولها من خلاصة التجربة: هو لطف من الله، لكنه إن أُخذ بلا توازن قد يكون على حساب الصحة والأسرة والعلاقات الاجتماعية. القراءة مطلوبة بقدر الحاجة لا بقدر التفاخر، والشهادات العليا لا ينبغي أن تكون عنادًا لتعويض حرمانٍ قديم. التوازن ممكن، لكنه صعب، ويحتاج إلى وعي مبكر… وهو ما نتمناه لكم.