د. عادل جوده.العراق.
يُطل علينا الشاعر عدنان الريكاني في نصّه الباذخ “صاع وأزيد” ليرسم لوحةً صوفية الروح حداثية الأدوات يمتزج فيها الوجع بالحب والأسطورة بالواقع ليخلق حالة شعورية تتجاوز حدود القراءة العابرة إلى فضاءات التأمل العميق.
عتبة العنوان ودلالة التجاوز
يبدأ النص بـ “صاع وأزيد”، وهو استهلال مستمد من الموروث الكيالي والقرآني، لكنه هنا لا يقيس مكيالاً للقمح، بل يزن مكيالاً للوفاء والعشق. التعبير بـ “أزيد” يفتح الباب على مصراعيه لفلسفة التجاوز؛ فالشاعر لا يكتفي بالحب المألوف، بل يضيف عليه من عمره ونبضه ما يجعل الكِفّة ترجحُ نحو الخلود.
التناصّ وتوظيف الرمز
يبرع الريكاني في توظيف الرمز الديني والأسطوري لخدمة الحالة الشعورية؛ فحين يقول:
> “تخَضَّبَ قميص يوسف.. من بكاء ذئب يرقص فوق الجليد”
نحن أمام صورة سريالية مدهشة. لقد قلب الشاعر الآية؛ فالذئب الذي كان متهماً صار باكياً، والجليد الذي يمثل البرود العاطفي أو قسوة الواقع أصبح مسرحاً لرقصة الألم. هذا التوظيف لـ “قميص يوسف” و”بياض الحروف” (في إشارة لابيضاض عيني يعقوب حزناً) ينقل القصيدة من مجرد بوح ذاتي إلى مأساة إنسانية كونية، حيث الحزن يُطهر الروح ويجعل المحبرة تفيض دمعاً ونوراً.
لغة الانصهار والحلول
تتجلى في النص لغة “عِرفانية” واضحة، حيث القلب هو المستودع الأول للسر (“في نبض القلب قبل الوريد”)، وحيث الحبيبة ليست مجرد شخص، بل هي “أناة” الشاعر، وجزء من هويته المفقودة التي يبحث عنها بين “نداء الأولين” و”أسرار العارفين”.
الصور البيانية والاشتغال على المتضادات
يستخدم الشاعر ثنائيات (الحديد/ الغمامة)، (الجليد/ النبض)، (العناد/ الهذيان) ليخلق توتراً درامياً داخل النص. فـ “مناجل الصبر” التي تحصد عواصف الخجل تعكس صراعاً داخلياً بين الرغبة في البوح وبين وقار “العقل الرشيد”. والقصيدة في نهايتها تتحول من “غضب” متمرد إلى “عيد” يلم شتات الروح، وكأن الرسالة التي وصفت بأنها “لم تكن عابرة” كانت هي طوق النجاة.
الخاتمة
“صاع وأزيد” نصٌّ لا يُقرأ بالعين، بل يُقرأ بالبصيرة.
استطاع عدنان الريكاني في عام 2026 أن يثبت أن الشعر العربي لا يزال قادراً على الابتكار، متمسكاً بجذوره الضاربة في التراث، ومحلقاً بأجنحة الحداثة في سماء الوجدان الإنساني.
تحياتي واحترامي 🌹🌺🌸
=========== (النص ) =====
صَــــــــاعٌ وَأزِيْد ..!
ـــــــــــــــــــــــــ
عزفت لأجلكِ نايات السَّمَاء
فأستعنت بعمري وطلبت المزيد
تلك الأناشـــيد تعشقها رُّوحي ،
وَكل الفروض لعنينك خبأتها
في نبض القلب قبل الوريد
سأغزل طيفي الغارق من حيرتي ..!
كلما ناديت الرُّوح بنداء الأولين
تخَضَّبَ قميص يوسف ..
من بكاء ذئب يرقص فوق الجليد
فأبيضت حروفي من دمع محبرتي
وَعطش صبر الآلام يرمق بالتليد
يشاكس عنادها هذيان غمامة حُبْلى
تحمل أسرار العــارفين بعقل رشيد
وَمناجل الصبر تحصد عواصف
الخجل بفصول كانت من حديد
لم تكن رسالتها عابرة ككل مرة
وَأختفى ذاك الغضب كأنه عـــيد
فكيف أناديك .. يا هذه .. يا أناتي
وأنا للآمال صاع عشق وأزيد ..!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عدنان الريكاني / 2026