في – مساء الأناناس – السليفاني يحتفي بالحب والمطر والجبل

د. فيصل القصيري

تميل قصائد الشاعر حسن سليفاني إلى تمثيل حالات إنسانية وأخرى وجدانية خاصة، تستمد فضاءاتها من حساسية الواقع المعيش، وتنمو فنياً باتجاه بنية الإيجاز والتركيز .

فعلى الرغم من ثراء قاموسه اللغوي وخصبه وتنوعه إلا أنه يبدو شديد الاقتصاد في اللغة، وحريصاً على انتقاء مفرداته وتركيزها وشحنها بالدلالات الكبيرة والاستعا رات الجميلة، ونحت صور جديدة تخالف منطق المألوف والسائد شعرياً، لتنحو نحواً مغايرا في طاقتها التعبيرية. بمعنى آخر يمكن القول إن لغة الشاعر هي لغة منزاحة قادرة على خلق الدهشة والاستفزاز وإثارة الأسئلة عند المتلقي.

وهذا دليل حي على وعي الشاعر بأساليب وتقانات الكتابة الشعرية الجديدة، التي تقتضي نصاً مغايرا ومعانداً وخارجا من بيت الطاعة، في مواجهة قارئ أو متلق ذكي ومثقف ومسلح على نحو عميق بالمعرفة الأدبية بشتى صنوفها وأشكالها، ويهمه أن يكون طرفاً فاعلاً في ملء فجوات النص، قراءة بياضه، وتحليل إشكالياته النصية المعقدة، وإنتاج مقولاته. لكن حرص الشاعر على الإختلاف والمغايرة والتميز والتفرد لم يكن عائقاً أمام قدرته على التوصيل والتواصل مع الآخر، ونصوصه الشعرية في هذا السياق تصل سريعاً إلى قلب القارئ وهي طافحة بعسل اللغة الأصيل والثري، وحافلة بصور شعرية غضة وطريفة منتزعة من خصوصية الطبيعة الساحرة التي يعيش الشاعر في كنفها، ويستلهم رؤيته من وحيها.

يقول الشاعر في قصيدة ( قمر من نرجس) وهي من قصائد الحب والطبيعة

أتصدق أن قاع القمر من نرجس؟ وأن جد ارنه من ندى الجبل ومفروش بأ رائك من بيبو ن ؟ وعلى بابه حارس بفأس من نحا س یمنع دخول من لا يتقن لغة الحب بين الناس وفي إيوانه الشاسع / نساء من عسل يغازلن أصواتا لأناس تأتي من خلف جد ارن الندى أتصدق ؟؟؟ ؟

لا شك في أن القارئ يلحظ حجم الدهشة التي حملتها الجملة الاستفهامية الصادمة ((أتصدق؟))، كما يلحظ أن بنية القصيدة هي بنية دائرية لولبية أقفلت بجملة (( أتصدق ؟؟؟؟ )) الإستفهامية، أي أنها اختتمت بما بدأت به في حركة شعرية حملت معها كل خصوصيا ت التجربة.

إن الشاعر يرسم عالماً متخيلاً (يوتوبيا)، وهذا العالم الأسطورة، أو الملاذ / الحلم الذي يؤسسه مخيال الشاعر هو ((قمر / من / نرجس))، وكم هي جميلة هذه العلاقة الجدلية الرمزية بين القمروالنرجس، إذ من المعلوم أن ((القمر)) هو كائن علوي يشحن الذاكرة والرؤية بفاعلية التخييل والتصوير المنطلق من الأسفل إلى الأعلى، بينما ((النرجس)) هو كائن أرضي – طبيعي يستفز الذائقة الشعرية الجمالية في ما دون مستوى النظر، وتبرز المفارقة الشعرية في انتساب القمر الى النرجس، ويتضاعف إحساس الشاعر بالعلو والرفعة باتساق مفردة ((الجبل)) في الجهاز اللغوي للقصيدة، وهي تمون أدوات القصيدة وصورها وفضاءاتها بالكثير من المعنى المتلبث فيه .

تتعامد مفردنا القمر / الجبل( مقابل مفردتي (النرجس / الندى)، وتؤكدان طبيعة القصيدة بنفسها المحلي المكاني، وانتمائها إلى عالم الصفاء والنقاء والجمال والرقة والمحبة حتى الحماية التي وفرتها مفردة ((جد ران)) للقمر بوصفها حماية مجازية وليست حقيقية.

تتدفق لغة القصيدة كالعسل الجبلي لترسم صورا غاية في الإدهاش نحو ((أ رائك من بيبون))، و ((نساء من عسل))، و((جد ارن الندى)) على النحو الذي نجح الشاعر في انتقاء المفردات اللغوية العاملة والموظفة توظيفاً فنياً وجمالياً في الحقل الشعري التي أنتجت فضاء الحب والتواصل في مملكة القمر بوصفه مكاناً مؤثثاً بالنرجس والندى والبيبون والعسل، وهو يدل على قوة حضور الأنثى وفاعليتها في تجسيد جمال العالم المنشود بكل ألقه وحيويته وأصالته على النحو الذي تكتمل فيه الصورة بكامل أجزائها ومفرداتها.

أما قصيدة ((كاروخ)) فهي من نمط قصيدة التوقيعة ذات التركيز الشعري العالي بإيقاعها المأساوي الصاخب :

رعب الليل حوافر خيل في ثدي امرأة لا تعرف طفلتها لغة غير الجوع والصراخ .. كل الليل .

هنا ينقل الشاعر الحال التراجيدية لأم تتعرض للانسحاق والقهر والعذاب، عبر لغة شعرية تنطوي على توازن إيقاعي ا بين وحدتين لغويتين رعب الليل / حوافر خيل، ومن الناحية الظرفية كان الليل)) هو الزمن المركزي في القصيدة الذي يقع فيه الحدث، أما المكان المعلق في الجسد فهو ثدي امرأة ، فحرف الجر (في – ثدي امرأة )) يفتح فجوة في المكان الجسد الذي يعاني الجفاف والحرمان وعدم القدرة على العطاء على نحو سيميائي بالغ الثراء .

وتبقى رغبة الطفلة في أن يكون ((الثدي)) مانحاً إياها الحليب الذي هي بحاجة مؤجلة إليه، لذا فهي لا تجد طريقة للاحتجاج على الجوع سوى الصراخ بوصفه صوتاً بوسعه أن يوصل رسالة الحرمان والحاجة.

وتأتي قصيدة ((تنزة تحت المطر)) لتؤكد اللغة الصافية الموحية للشاعر، والحساسية الشعرية العالية لمفرداته وصوره ورؤاه، ولعل عنوان القصيدة الصوري – بوصفه موجهاً أسلوبياً ودالاً سيميائيا، أو عتبة نصية تفضي إلى العالم الجواني للقصيدة في أعمق طبقاتها وأوضح تجلياتها -يكشف لنا نزعة رومانسية لعاشق يتخذ له مكاناً وجدانياً تحت المطر، ذلك المطر الذي يوحي بحالة حب تتنفس فيها الروح والكلمات يعيشها الشاعر في تجربة ثرة، وتتصدّر مفردة ((تنزه)) الاحتفالية مشهد العنوان تعبيرا عن طقس ابتهاجي أو احتفائي بالحياة والحب والفرح :

كان التنزه تحت المطر الناعم في ذلك العالم البعيد مهرجانا الابتسامات تحت ظل المطر كانت أجمل من شذا زهور آذار كان لساننا ، الضحك ، الفرح ، الحب

ولكن الإشكالية الأولى في هذا النص الشعري تثيرها شبه الجملة (في ذلك العالم البعيد))، وأفعال السرد كان / كانت / كان تثير إشكالية أخرى، أما الأولى فتعني أن الشاعر قد اختار عالماً بديلاً لعالم الواقع، لذا فإنه بعيد المنال، وقد يكون تعبيرا عن أمنية أو حلم، وفي النهاية يكون التنزه تحت مطر هذا العالم بمثابة حال أو ومضة عاشها الشاعر في وقت مضى.

أما الثانية فتشير إلى انتهاء الرحلة وولادة الحكاية التي تحيل على زمن ماض وحدث سابق ما زالت را

ئحته عالقة في الذاكرة، وإذن لقد انطفأ الحلم وتوهمت الذاكرة تلك السيدة التي كانت عروس المهرجان ومصدر فرح الشاعر ورقة مفرداته وشفافية صوره وسمو مشاعره في هذه التجربة المتوهجة بحرارة الحب وعنفوانه وحيويته:

تلك السيدة التي هز ت شعرها الغجري واجتازتنا كانت تجيد قوانين العشق ورقة الشجرة التي داعبت خدها خبيرة كانت أضافت لنفسها رائحة أخرى لذا في الربيع الآتي / ستقصدها العصافير وستجيد لغة أخرى

مرة أخرى تبدو لغة الشاعر لغة عاشق لا يجيدها سوى من يدرك قوانين وأسرار لعبة العشق، لذا فإن مفرداته تؤسس عالماً متخيلاً يتسع له ولكل من يجيد قوانين هذه اللعبة ويدرك قواعدها ويؤمن بقيمتها الحضارية، والشاعر طفل يلهو ويلعب بطين اللغة، يعجنها ويعيد تشكيلها ليقدم لنا في النهاية الأشكال التي استطاع أن يبدعها، ففن الشعر ما هو في الحقيقة إلا عالم عميق من كلمات، بمعنى آخر هو نوع من خلق العالم باللغة)) بحسب أدونيس.

وعند الشاعر حسن سليفاني تكاد أن تختزل اللغة في معجم أثير من الدوال تتردد بين ((الحب)) و ((العشق)) و ((الفرح)) و ((الضحك)) و ((القمر)) و((الربيع)) و ((المطر)) و ((النرجس(( وغيرها ،مما يحيل على فضاء الطبيعة إحالة كثيفة وكلية وشاملة ومصيرية. وتمثل هذه الدوال المفاتيح السيميائية التي يمكن من خلالها تفكيك الخطاب الشعري عند الشاعر بكل ما تنطوي عليه من بث وإيحاء وعطر يملأ صوره بالدلالة ويشغله بالمعنى والقيمة والأداء الشعري.

• ( مساء الأناناس – حسن سليفاني – دارمومنت ، لندن 2013 )

قد يعجبك ايضا