الهام عبدالقادر
في ذلك الصباح كان من المفترض أن يكون يوم عيد.
صباحٌ يُفتتح بالتكبير وتُغسل فيه القلوب بالصلاة وتُصافح فيه الأرواح بعضها بعضًا
قبل أن تتصافح الأيدي.
ارتفعت المآذن بنداء
الله أكبر…
إعلانًا لبداية يومٍ خُلق للسلام لكن ما أعقبه لم يكن صلاة…
بل جريمة.
في الأول من شباط
تحوّل العيد في إقليم كوردستان إلى حداد مفتوح وتحوّل التكبير من نداء روح
إلى شاهدٍ صامت على واحدة من أقسى الجرائم وأكثرها رمزية في الذاكرة الكوردية المعاصرة.
في ذلك اليوم تعرّض مقر الحزب الديمقراطي الكوردستاني ومقر حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني لهجومين انتحاريين متزامنين في مدينة أربيل.
لم تكن المقرّات ثكنات عسكرية ولا ساحات حرب بل فضاءات سياسية مدنية
تجسّد العمل الحزبي المشروع
ضمن كيان يتمتع بوضع دستوري معترف به.
الضحايا لم يسقطوا في معركة بل في يوم عيد وفي لحظة يفترض أن تكون
محمية بقدسية الزمان وقدسية المكان معًا.
وهنا
لا يعود الحديث عن حادث بل عن فعل مدبّر يحمل رسالة سياسية واضحة
كُتبت بالدم.
السياق السياسي: الرسالة وراء الاستهداف
استهداف مقرات حزبية كوردية
في يوم عيد ليس فعلًا عشوائيًا
ولا انفعالًا أعمى، بل محاولة محسوبة لضرب:
• الاستقرار السياسي في إقليم كوردستان
• التعددية الحزبية
• شرعية العمل السياسي السلمي
• وحق الكورد في إدارة شؤونهم بعيدًا عن العنف
كما أن اختيار التوقيت لم يكن بريئًا
بل محاولة لتوظيف الرمزية الدينية
وإلباس الجريمة رداءً زائفًا من القداسة.
الدين هنا لم يكن دافعًا بل أداة،
استُخدمت لتغطية فعل سياسي دموي
يخاف من السياسة حين تكون سلمية ويخاف من الشعوب
حين تختار الحياة.
وفقًا للقانون الدولي الإنساني فإن استهداف منشآت مدنية وخاصة المقرات السياسية غير العسكرية يُعد انتهاكًا جسيمًا وهي ترتقي إلى:
• جريمة إرهابية
• جريمة ضد المدنيين
• جريمة تهدف إلى زعزعة السلم الأهلي
ولا يمكن تبريرها لا بشعار سياسي ولا براية دينية ولا بأي ذريعة أيديولوجية.
وارتكابها في يوم عيد لا يخفف الجريمة
بل يضاعفها أخلاقيًا وقانونيًا ويجعلها وصمة في سجل من ارتكبها
ومن صمت عنها.
المعنى الأعمق: استهداف نموذج كوردستان
ما جرى في الأول من شباط
لم يكن موجّهًا ضد حزب بعينه بل ضد نموذج كامل.
نموذج حاول رغم الجراح والحصار والتاريخ الثقيل أن يبني تجربة سياسية
قائمة على:
التعدد، والانتخابات، والعمل المدني،
وتداول السلطة بدل فوهة السلاح.
ضرب هذا النموذج يعني ضرب فكرة
أن الكورد قادرون على إدارة شؤونهم
بعيدًا عن منطق الفوضى وأن الاستقرار
قد يكون فعل مقاومة
في حد ذاته.
ذاكرة لا تسقط بالتقادم
الأول من شباط
ليس ذكرى حزينة فحسب
بل شاهد إدانة.
إدانة لاستخدام الدين غطاءً للقتل ولاستهداف السياسة بالعنف
وللصمت الذي يسمى بتحوّل الجريمة إلى عادة.
إن دماء الضحايا في مقري
الحزب الديمقراطي الكوردستاني
وحزب الاتحاد الوطني الكوردستاني
ليست أرقامًا في تقرير بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية.
مسؤولية الحقيقة ومسؤولية العدالة،
ومسؤولية ألّا يُرفع نداء العيد
مرة أخرى ليُغطّي جريمة.
فالعدالة المتأخرة قد لا تعيد من رحلوا،
لكنها وحدها تمنع أن يصبح الدم
لغة السياسة القادمة.
والذاكرة… حين تُصان
تصبح شكلًا من أشكال العدالة البشرية على الارض والمستمدة من الحق المشرع من الخالق