أميرةُ الضوء… سيرةُ الشاعرةِ والمربّية أميرة نور الدين

محمد علي محيي الدين

في بغداد، عام 1925، ولدت أميرة نور الدين داود آل سليم، وكأن المدينة العريقة أرادت أن تهب نسغها لشابة ستغدو لاحقًا واحدة من وجوهها الثقافية الهادئة، المضيئة، والمهمَلة في آنٍ معًا. وبين أزقة بغداد ومدارسها تنقّلت أميرة ما بين 1931 و1943، تُراكم معارفها الأولى وتتهيأ لرحلة ستجعلها من طليعة العراقيات اللواتي حملن همّ الثقافة والتعليم.

وفي القاهرة، هبطت أميرة كمن يدخل معبدًا للمعرفة. التحقت بكلية الآداب في جامعة فؤاد الأول، لتحصد البكالوريوس عام 1947، ثم تعود إليها لاحقًا أكثر نضجًا وعمقًا لتنال درجة الماجستير عام 1957 عن أطروحتها الرائدة «الشعر الشعبي في الفرات الأوسط»؛ وهي دراسة سبقت عصرها وتُعد اليوم من البحوث التأسيسية في هذا الحقل.
عادَت إلى العراق حاملة شهادتها ومشروعها الثقافي، فدرّست على الملاك الثانوي منذ 1947 حتى 1963، ثم انتقلت إلى كلية البنات معيدة ومدرسة حتى 1969، ومنها إلى كلية الآداب بجامعة بغداد حتى 1975. كانت خطواتها تتدرج في السلم العلمي بثقةٍ وصمت، حتى بلغت منصب عميدة معهد الفنون التطبيقية التابع لهيئة المعاهد الفنية، وهو الموقع الذي شغلته حتى تقاعدها عام 1992.
ولم تكتفِ أميرة بدورها العلمي؛ فقد اختيرت عضوًا في المجلس الوطني (1984–1988)، ثم عضوًا عاملاً في المجمع العلمي العراقي عام 1996. وشاركت في مؤتمرات وندوات عربية وعالمية، من بغداد إلى عمّان والمغرب، ومن حلقات التعليم التقني إلى مؤتمر اتحاد البرلمانات العالمي في توغو عام 1985، حاملة صورة المرأة العراقية المقتدرة، المتوازنة، والراسخة في موقعها العلمي.
أما أميرة الشاعرة، فهي الوجه الأكثر نعومة ودفئًا في سيرتها. فقد بدأت كتابة الشعر في أوائل الأربعينيات، فأثّرت فيها الرومانسية العربية: علي محمود طه، وجبران، وإيليا أبو ماضي. رآها الناقد إميل يعقوب «شاعرة جيّدة، واقعية الموضوعات، مشرقة الصورة، مبتكرة العبارة». وكان والدها – الذي رحل عن الدنيا عام 1955 – أول المشجعين لها، فكتبت عنه بعد عام قصيدة من أعمق مراثيها، مضمخة بحنان الابنة ومرارة اليُتم.
نشرت أميرة شعرها في مجلات وصحف عراقية وعربية، وبلغ من نضج تجربتها أنها عارضت بردة البوصيري، ورثت الشاعر المصري علي الجارم، ومدحت الملك فيصل، وكل ذلك وهي بعدُ على مقاعد الدراسة. وكانت شاعرة ذات نفس طويل، تصوغ القصيدة بجهد ووعي، وتُدهش أساتذتها وزملاءها بقدرتها على الموازنة بين انشغالاتها العلمية والشعرية.
ويروي أدهم الجندي في كتابه تحفة الزمن أنه التقاها في بغداد عام 1956، فوصفها بأنها «مبدعة، ذات أخلاق فاضلة ورزانة، وقد سخَت عليها الطبيعة بالعبقرية والمكانة»، ورآها قدوة لبنات جيلها وعلَمًا في التعليم والتربية.
قدّمت أميرة بحوثًا ودراسات في مؤتمرات التعليم التقني، وكانت لها دروس في شعر إقبال مترجمًا إلى العربية شعرًا، بالإضافة إلى رسالتها المعروفة في الشعر الشعبي، وديوانها «أنداء وظلال» الذي ضم عصارة تجربتها الشعرية. وكانت تمتلك ثقافة لغوية واسعة، متقنةً العربية والإنكليزية والتركية، ولها إلمام بالفرنسية والفارسية.
وبرغم هذا الحضور العلمي والشعري، بقيت أميرة نور الدين بعيدة عن الأضواء التي استحقّتها. لم تُكتب عنها الدراسات الكافية، ولم يُنصفها الباحثون، حتى كاد يطويها النسيان لولا إشارات متفرقة؛ من أبرزها ما نشره «نخيل عراقي» من تأبين بعد مرور عام على رحيلها.
رحلت أميرة بصمت في بغداد، في 7 نيسان/أبريل 2020، تاركة خلفها سيرةً نقية لامرأة جمعت بين الشعر والعلم، وبين الرصانة والخيال، وبين رسوخ المربّية ورهافة الشاعرة… رحلت… وبقيت أعمالها شاهدة على زمن كانت فيه المرأة العراقية تصنع مستقبلها بجدارة لا تحتاج إلى ضجيج.
لقد تركت أميرة نور الدين أثرًا ثقافيًا يتجاوز حدود ما دوّنته من شعر وبحوث، فهو أثر ممتدّ في الذاكرة التربوية والثقافية العراقية. فقد كانت من الجيل النسوي الريادي الذي شقّ الطريق أمام المرأة في التعليم العالي والعمل الأكاديمي، وأسهمت في ترسيخ حضور المرأة المثقفة كصاحبة قرار ومسؤولية. كما أن دراستها في الشعر الشعبي في الفرات الأوسط تُعدّ من البحوث الباكرة التي لفتت الانتباه إلى قيمة الأدب الشعبي بوصفه سجلًا حيًا للهوية العراقية، وأسهمت في إعطاء هذا الحقل مكانته الأكاديمية قبل أن يصبح موضوعًا رائجًا في الدراسات اللاحقة.
أما في الشعر، فقد شكّلت تجربتها حلقة وصل بين الحساسية الرومانسية وملامح التحول في الشعر العراقي الحديث، فكانت تمثّل نموذج الشاعرة التي تجمع بين الدرس الأكاديمي والذائقة الفنية الرفيعة. وبحكم موقعها الإداري والعلمي، أثّرت في جيل كبير من الطالبات اللواتي تعلمن على يديها معنى الانضباط والقدرة على التوفيق بين العلم والموهبة.
لقد انطفأت أميرة نور الدين جسدًا، لكن حضورها لا يزال ماثلًا في تاريخ التعليم العراقي، وفي ذاكرة الشعر، وفي كل دراسة جادّة تُنقّب في أثر المرأة الريادية التي كان لها دور كبير في بناء الوعي الثقافي الحديث في العراق.

قد يعجبك ايضا