في الفخر القديم
د . صباح ايليا القس
الفخر هو مدح الذات او مدح القوم او القبيلة ، ويأتي الفخر عن طريق التباهي الفردي موصوفا بالشجاعة والكرم بالدرجة الاولى ويسري ذلك على العصبية القبلية لما لها من تأثير كبير في حياة المجتمعات القديمة .. اذ تهتم هذه الصفة بالموقف الداخلي للأسرة والمجتمع القريب اولا ولاحقا حماية الافراد والجماعات لا سيما النساء والجيران من غدر الاقوام المجاورة ..
حياة البداوة منغلقة ليس لها نظام او قانون تحتكم عليه . الشاعر هو ابن القبيلة والمدافع عنها وحاميها بالسيف والشعر اي ما يعني قولا وفعلا حتى بعد ان اندفع العرب والمسلمون الى خارج اسوار الجزيرة العربية ..
الفخر بالقبيلة لا يعني الاقتصار على هذه العصبية فهناك الفخر الاتي لان الشاعر له خصوصيته ضمن الاطار العام لا سيما الذين لم يعرفوا المدن بل تمسكوا ببداوتهم ولم يقربوا الحواضر وصارت لهم تسميتهم الخاصة ( شعراء البادية او البوادي ) والسؤال هو : هل تخلص الشعراء لاحقا من النزعة البدوية ؟ والجواب عن هذا السؤال بالنفي طبعا فنحن نجد النزعة البدوية في شعر شعراء العصر الاموي والعباسي وحتى العصور المتأخرة والى يومنا هذا نجد من الشعراء من يتباهى بالسيف والرمح والشجاعة الفردية الى يومنا هذا ..
غير ان المتنبي كان حالة خاصة وهو كذلك حالة خاصة في تاريخ الشعر العربي ، اذ من صفاته النادرة التي تدل على خصوصيته انه فرض على الممدوح ان يقول مديحه وهو جالس على العكس من الشعراء الآخرين الذين يمدحون وقوفا .
ومن قوله في الفخر بنفسه بعيدا عن قومه قوله :
بنفسي شرفتُ بل شرفوا بي وبنفسي فخرت لا بجدودي
وهذا بيت متفرد في الفخر لم يسبقه اليه أحد .
وعلى هذا فالفخر نوعان والاول هو الجماعي او القبلي والثاني هو الفردي او الذاتي كما هو معروف .
الفخر القبلي يعني التباهي بنسب القبيلة وتاريخها وشرفها بين القبائل الأخرى مع اشارة الى عددها ومكانتها الاجتماعية وشخصياتها المتميزة وشجاعة فرسانها وانتصاراتها وابطالها وما حققته من قتل شخصيات لها قيمة اجتماعية .
يقول بكر بن النطاح :
وكم من قتيل من ربيعة ينتمي الى حسب صعب المناكب عاتِ
وما الفتك الا في ربيعة والفنى وذبٍّ عن الاحساب والحرمات
ومثل هذه المفاخرات تكون على الاغلب في الخصومات الطويلة الامد مثل حرب داحس والغبراء التي امتدت لاكثر من اربعين عاما وتتباهى القبائل على لسان شعرائها بالجيش وقادته بل والمباهاة بالحرب بوصفها متعة ولعبا ولهوا كما يقول بكر بن النطاح ايضا :
ومن يفتقر منا يعش بحسامــــه ومن يفتقر من سائر الناس يسألِ
وانّا لنلهو بالسيوف كما لهــــــــت فتاة بعقد أو سخاب قرنفـــــل
وهذا يعني ان أفراد القبيلة ليس بينهم فقير ، ففقيرهم يستطيع العيش بسيفه ورمحه عن طريق القتل او التسليب بينما المفتقر في القبائل الاخرى يضطر الى الاستجداء لضعفه ..
ومن صفات الشجاعة ان السيف عندهم أداة لهو ولعب من دون خوف كما تلهو الفتاة بمصوغاتها .. وللحديث صلة .