د. إبراهيم أحمد سمو
يُقال إن لكل عمرٍ معناه، ولكل مرحلةٍ مذاقها الخاص، غير أن السنوات الأولى من العمر تكون عادة في عنفوانٍ ومجدٍ وطموحٍ عجيبٍ غريب. يعيش الإنسان فيها مندفعًا، لا يفكّر كثيرًا بما سيأتي بعد ذلك، إذ يرى نفسه في مقتبل العمر، وربما يفعل ما يشاء دون حسابٍ للعواقب.
وعندما يصل إلى مقامٍ أعلى من النضج، ويحتكم إلى العقل، ولا سيما حين يستطيع العقل أن يقتحم العواطف ويقمع المشاعر، يلجأ كثيرون إلى طموحٍ مفرط، فيخسرون الأعوام بحجة الطموح، وبحجة جمع ما يمكن جمعه من مال أو مكانة أو شهادات. ولا سيما أهل القلم والفكر والأدب والكتّاب؛ فأُسمي طريقهم أحيانًا “رحلة المتاعب”. ومن سلك هذا المسار حقًّا، فعليه أن يعيش لذاته أولًا، وألا يخطئ بمشاركة أخرى، مثل الزواج والإنجاب، لأن الزواج والأطفال – وبصراحة التجربة – يحتاجون كثيرًا إلى المشاعر والعواطف والحضور، وهذا يتعارض في الغالب مع عقلٍ مهووس بالإنجاز والكتب والأبحاث.
وأحيانًا أقول إن الأمر ليس مجرد خطأ، بل قد يصل إلى حد الجُرم، لأن حرمان الأبناء من قرب الآباء، ومن دفء المشاعر، ومن العمل معهم، والخروج في جولات وسفر وتجوال في الدنيا، ظلمٌ لا يُغتفر. والمثل حاضر هنا: يقولون له “تعال معنا في سفرة”، فيجيب: “اذهبوا أنتم”. ويقولون: “تعال معنا في وجبة خارج الدار”، فيقول: “اذهبوا أنتم”. ويقولون: “تعال معنا في زيارة الأحباب والأهل”، فيردّ: “اذهبوا أنتم”. وإذا أراد الابن ملاطفة أبيه المشغول بالعلم والمتاعب، ولم يجد له فرصة، فأين المفرّ؟
نعم، من سلبيات التمسك المفرط بالفكر والكتاب والقلم أن على الإنسان أن يقبل بأنه كلما استمر في ذلك، ابتعد عن أهله، بل إن الأهل أنفسهم يبتعدون عنه، وهذه خسارة فادحة. ويستوجب حل هذه المعادلة أن يدرس الإنسان بقدر الحاجة، لا بقدر الفائض، لا من أجل الألقاب، ولا من أجل إثبات الإمكانيات للناس، ولا من أجل أن يقال عنه عالم أو مفكر أو كاتب كبير، بينما ينسى بيته وأطفاله وأهله وأحبابه.
كفانا خداعًا لأنفسنا بأننا في صحة وعافية وسلام، ونحن نصل إلى مراتب عالية من العلم والقلم، في حين أن الحياة لا تحتاج إلى أن يجبر الإنسان نفسه على مسايرة كل هذه الأعوام بحجج واهية، بحجة الوصول إلى الذُّرى من العلم، وهو يعلم في داخله أنه لا يصل؛ لأن العلم والثقافة والكتابة والقراءة لا تنتهي. ينتهي الإنسان ولا يصل إلى نقطة السيطرة، فالعلم والفكر والقلم هي المسيطرة، لا العكس.
والغرض من هذا المقال أن أقول: حبّذا على الإنسان أن يوازن بين الشهادات وحب الأطفال، بين الطموح والبيت، بين القلم والعائلة، وألا ينجرّ وراء حججٍ جاهزة، وألا يقول لأطفاله: “من أجلكم أفعل هذا”، أو “من أجل سمعتكم”، أو “من أجل جمع مالٍ لكم”. لا، أبداً. هذه الجُمل خاطئة جدًا، لأن هذا في الداخل كذب، وفي الخارج تمثيل.
والمُضحّي الحقيقي هنا هو الإنسان نفسه، حين يعطي من صحته، ومن شبابه، ومن جمال الدنيا في العائلة والأطفال، ليجني في النهاية شهاداتٍ إضافية، أو كتبًا أكثر، أو مالًا لا يشتري دفئًا، ولا يعوّض حضنًا، ولا يعيد لحظة ضائعة مع طفلٍ كبر وهو ينتظر أباه المشغول دومًا بالقلم والفكر والطموح.