محمد علي محيي الدين
في الحلة، المدينة التي تتنفس الحروف من جذور الحضارة، ويُصاغ تاريخها من عبير الفرات، وُلد عدنان سماكة عام 1934 في محلة الوردية، من أسرةٍ دينيةٍ عُرفت بوقارها وعلمها، وكان عبق مجالسها أول ما رَوى وعيه الندي. هناك، بين أصوات المآذن ورفيف الكتب، تكوّنت بداياته، فكان الطفل الذي يُصغي أكثر مما يتكلم، ويقرأ قبل أن يكتب، ويتأمل قبل أن يُجاهر بالحرف.

تدرّج في دروبه التعليمية بثبات المؤمن بمصيره، فتنقّل بين مدارس الحلة الفيحاء وثانويتها، ثم دخل دار المعلمين، ومنها إلى كلية الآداب في الجامعة المستنصرية، حيث تخرّج من قسم اللغة العربية في دفعتها الأولى. وكأن اللغة، وهي أعرق الكائنات في أرض الرافدين، قد انتخبته رسولًا لها، ليحمل رسالتها في زمنٍ بدأ فيه الضوء يخفت من قناديل الفكر.
قضى قرابة نصف قرنٍ في التعليم، معلّمًا ومربّيًا، ثم باحثًا وأديبًا، وكان في مكتبات المدارس التي تولى شؤونها أكثر من قيّمٍ على الكتب؛ كان حارسًا لذاكرة أجيال، يغذيها من معين ثقافته الواسعة، ويوقظ فيها جذوة التساؤل والتأمل. كان يرى في الكتاب كائنًا حيًّا يحتاج إلى من يصغي إليه، لا مجرد صفحات تُقلب، ولهذا كانت المكتبة عنده بيتًا للروح قبل أن تكون ركنًا للدرس.
امتاز عدنان سماكة برؤية شمولية نادرة، فهو باحث في التاريخ، وكاتب في اللغة، وأديب يجادل الحرف حبًّا لا استعراضًا، وإعلامي يحدّث الأذن بصفاء العارف. كتب في كل شأنٍ ثقافي، من النص القرآني إلى الجغرافيا، ومن المناسبات التاريخية إلى قضايا الفكر واللغة، حتى جاوزت مقالاته الألف، فكان كمن ينحت الوعي في زمنٍ كثر فيه الصخب وقلّ فيه الصدق.
لم يكن يكتب للترف، بل ليُبقي جذوة العقل مشتعلة في الناس. كان يرى أن الكلمة مسؤولية، وأن الكاتب إن لم يُضئ فهو ظلمة أخرى في الطريق. وفي مؤلفاته تتجسد ملامحه الفكرية والإنسانية، فكتابه «حصاد السنين» شهادة وفاءٍ لرحلةٍ طويلةٍ من البحث والعطاء، وكتابه عن قبيلة ربيعة تأصيل لهوية اجتماعية وثقافية كانت تحتاج إلى من يُنصفها، أما «شذرات من القرآن الكريم» فقد حمل رؤيته المتأنية في التأمل والتدبر، رؤية الباحث لا المتكلف، والعارف لا المدّعي.
ورغم تقدّم العمر، لم يركن إلى السكون، بل واصل مسيره نحو العلم، فاختار أن يدرس للدكتوراه في معهد التاريخ والتراث العربي، مؤمنًا أن المعرفة لا تعرف التقاعد. غير أن المنية اختطفته قبل أن يبلغ أمنيته الكبرى، فرحل في 21 كانون الثاني 2016، ودُفن في النجف الأشرف، لكنه بقي حيًّا في ذاكرة مدينته، يُستعاد اسمه كلما ذُكر الأدب والبحث والإخلاص للثقافة.
يصفه النقاد بأنه «ذاكرة الحلة المتحركة»، رجلٌ جمع بين التواضع والعلم، بين المثابرة والصفاء، وبين الإيمان بالفكر والإيمان بالإنسان. كان يكتب كمن يُصلي بالكلمات، يتهيبها ويعشقها في آن، ويخاف عليها من الغبار فينفضه عنها بقلمه. قال أحد أصدقائه في تأبينه: «لم يكن عدنان سماكة باحثًا في الكتب فقط، بل باحثًا في الحياة، وكان يكتب كأنما يخشى على الكلمة أن تُظلم، فينصفها بالعدل الذي بين أصابعه».
وفي حفل تأبينه الذي أقامته جمعية الرواد في 23 كانون الثاني 2017، كان الحضور كأنهم على موعد مع روحه، بعضهم أنشد شعرًا يفيض وفاءً، وبعضهم تكلّم بدمعةٍ تفضح الحنين، لكنّ الأبلغ كان ذلك الصمت الوقور الذي ظل يخيّم على القاعة، صمتٌ يشبه الهيبة أمام رجلٍ عاش من أجل المعرفة ورحل إليها.
لقد عاش عدنان سماكة حياةً ملؤها العطاء، ومضى تاركًا أثرًا لا يُمحى، كأن الحلة حين ودّعته لم تودّع رجلًا، بل ودّعت فصلًا من فصول ثقافتها النبيلة، أحد أولئك الذين كانوا يجمعون بين دفء الإنسان وضوء الفكر، فغاب الجسد وبقي الأثر، وبقي الحرف شاهدةً على رجلٍ جعل من الكلمة وطنًا لا يزول.