محمد علي محيي الدين
لم يكن باقر محمد محمود سماكة الربيعي (1924 – 1994) مجرّد شاعرٍ عراقيٍّ عابرٍ في خارطة الأدب، بل كان روحًا ثقافيةً تمشي على قدمين: قدمٍ في محراب الجامعة والبحث الأكاديمي، وأخرى في ساحة النضال والشارع الشعبي، وبينهما قلبٌ نابض بالشعر، لا سيما حين خاطب الطفولة، فحوّل الكلمة إلى لحن، والقصيدة إلى لعبة بريئة، والنشيد إلى ذاكرة جمعية ما زالت تتردّد في أروقة المدارس العراقية.

وُلد في الحلة، مدينة الفرات والتمر والتاريخ، سنة 1924م (وقيل 1929م)، ونشأ في بيتٍ يتنفس العربية، فتلقى عن والده أصول اللغة ومعارفها الأولى، قبل أن يشقّ طريقه في التعليم النظامي. ومنذ بواكير شبابه، كانت القصيدة رفيقته الدائمة، لا بوصفها ترفًا لغويًا، بل بوصفها موقفًا من الحياة، وأداةً من أدوات التعبير عن الوعي الوطني والإنساني.
في عام 1946، شدّ الرحال إلى بيروت، حيث نال شهادة البكالوريوس في الأدب العربي، وعاد بعدها إلى العراق ليعمل مدرسًا في ثانوية الحلة للبنين. غير أنّ طموحه العلمي لم يتوقف عند هذا الحد، ففي عام 1955 اتجه إلى إسبانيا، وهناك انفتح على أفقٍ ثقافيٍّ جديد، واغترف من منابع الأدب الأندلسي، فنال شهادة الماجستير في الأدب العربي من جامعة مدريد (وقيل من جامعة برشلونة)، ثم الدكتوراه في الأدب الأندلسي سنة 1958م، ليكون واحدًا من قلّةٍ من الأكاديميين العراقيين الذين جمعوا بين الثقافة العربية العميقة والمعرفة المباشرة بالتراث الإسباني.
عاد سماكة إلى العراق أستاذًا جامعيًا في كلية التربية بجامعة بغداد (معهد اللغات العالي)، فدرّس اللغة الإسبانية إلى جانب العربية، وأسهم في تكوين أجيالٍ من الطلبة والباحثين، وأشرف على عشرات الرسائل الجامعية وناقش غيرها، فكان معلمًا بالمعنى الواسع للكلمة، لا يكتفي بنقل المعرفة، بل يزرع روح السؤال والبحث.
إلى جانب عمله الأكاديمي، مارس الصحافة مبكرًا، فأصدر جريدة الفرات الحلية سنة 1941، لكنها أُغلقت في العام نفسه، في دلالة مبكرة على أن هذا الرجل سيبقى في منطقة التوتر الدائم بين الكلمة والسلطة. كما عُيّن أمينًا لمكتبة معارف الحلة، فكان قريبًا من الكتاب، قريبًا من الناس، قريبًا من هموم مدينته.
وكان من المؤسسين لاتحاد الأدباء العراقيين سنة 1959، وانتُخب أكثر من مرة عضوًا في هيئته الإدارية، وأسهم بتمثيل العراق في مهرجانات شعرية عربية وعالمية، منها مهرجان ابن سينا، فحمل القصيدة العراقية إلى فضاءات أبعد من حدود الوطن.
غير أنّ سيرة باقر سماكة لا تكتمل من دون التوقف عند مواقفه الوطنية. فقد شارك في النضال ضد الاستعمار سنة 1941، وأسهم في مظاهرات 1948، وسُجن أكثر من مرة بسبب مواقفه. وبعد حركة 8 شباط 1963، فُصل من وظيفته، في مشهدٍ تكرّر مع كثير من مثقفي العراق الذين دفعوا ثمن انحيازهم للحرية والعدالة.
ومن الطرائف الدالة على شجاعته الأدبية والسياسية معًا، تلك الحكاية التي يتداولها المجتمع الحلي: حين طُلب منه في خمسينيات القرن الماضي أن يشارك بقصيدة في حفل توديع رئيس محاكم الحلة مصطفى الأنكرلي، في قاعة نادي الموظفين، بحضور الإقطاعيين والملاّك ووجهاء المدينة. دخل سماكة القاعة شاعرًا، وخرج منها موقوفًا، بعدما ألقى قصيدة قلبت الحفل إلى مهرجان ثوري، فاعتُقل بأمر المتصرف، وبقي موقوفًا سبعة أيام، ثم حُكم عليه بالسجن شهرًا ونصفًا مع الطرد من الوظيفة. هكذا كان: شاعرًا لا يعرف المجاملة حين تتعارض مع الضمير.
أما شعره، فقد تميّز بعروبته الواضحة، ونزعته الإسلامية الوحدوية، وبحسّه الإنساني الذي يربط بين الجمال والحرية. أصدر ثلاثة دواوين شعرية للكبار: نسمات الفيحاء (1940) أسرار (1963) هل تذكرين (1980) وفي هذه الدواوين تتجلّى لغته الرصينة، وصوره الهادئة، وميوله الوجدانية والوطنية التي تجمع بين الرومانسية والالتزام.
لكن الجانب الأكثر رسوخًا في ذاكرة العراقيين هو عنايته الفريدة بأدب الأطفال. فقد كان من الروّاد الحقيقيين لهذا الفن في العراق، وصاحب النشيد الشهير:
البلبل الفتّان يطير في البستان
ذلك النشيد الذي حفظته أجيال الخمسينيات وما بعدها، وردّدته أفواه التلاميذ في الطوابير الصباحية، حتى صار جزءًا من الذاكرة التربوية العراقية. وله في هذا المجال ديوان خاص هو: البلبل، ديوان شعري للأطفال (1981) وقد استطاع فيه أن يجمع بين بساطة اللغة وعمق الرسالة، وبين الإيقاع المحبّب والخيال الطفولي النقي.
أما في ميدان النقد والبحث الأدبي، فله مؤلفات مهمّة، منها: التجديد في الأدب الأندلسي، دراسات في الأدب العباسي، كما ألّف: من حصاد الثورة (1959) مهرجان الرصافي (1959).
ونشر بحوثًا ودراسات كثيرة في مجلات عراقية وعربية مرموقة، مثل الأقلام العراقية والأديب اللبنانية، وترجمت مختارات من شعره إلى بعض اللغات الأجنبية، في اعترافٍ مبكر بقيمته الأدبية خارج حدود الوطن.
توفي باقر سماكة في بغداد سنة 1994م / 1415هـ، بعد حياةٍ مزدحمةٍ بالشعر والعلم والنضال. وفي عام 2008، بادرت هيئة التراث والتحديث في محافظة بابل إلى إطلاق اسمه على الشارع المحاذي لكورنيش الحلة، ذلك المكان الذي تحوّل إلى متنزّه للأطفال والعائلات، في مصادفةٍ جميلة: أن يُخلَّد شاعر الطفولة في مكانٍ تعلو فيه ضحكات الأطفال.
وهكذا، يبقى باقر سماكة صورةً ناصعة للمثقف العراقي الذي جمع بين الأكاديمية والقصيدة، بين الثورة والطفولة، بين صرامة الباحث ورقّة الشاعر. رجلٌ علّم الكلمة أن تكون موقفًا، وعلّم النشيد أن يكون وطنًا صغيرًا يتّسع لفرح الصغار وأحلام الكبار معًا.