كوبابا: على عرش الطين

هبة عبد الحافظ المطيري

في قلب سومر، حيث تتشابك الأنهار وتغزل المدن حكاياتها على ضفاف الطين، ظهرت امرأة كسرت صمت التاريخ بهدوء..
كانت كوبابا تبدأ يومها بين الناس، في مكان صغير يُعرف بالحانة، تعبر من خلاله عن فهمها للعالم من حولها قبل أن يتسع هذا الفهم ليحملها إلى عرش مدينة كيش.

لم تكن مهيأة بالولادة لتكون ملكة، ولم تصنع اسمها بالسيف أو الجيوش، بل بالوعي، وبقدرتها على قراءة المدينة وأهلها.
جلست كوبابا على العرش كما يجلس الشعر على الورق، بخطوات دقيقة، بحضور خافت لكنه لا يُمحى..
أسست أسس الحكم ونظمت أمور مدينتها وحرصت على أن يكون القانون والعدل على رأس الأولويات، فتستمر سلطتها في نسلها بعد وفاتها.
في هذا الهدوء، يكمن إعجازها بأنها امرأة صنعت تاريخًا دون ضوضاء، ووضعت نفسها في سجل الملوك دون الحاجة لإثبات القوة بالعنف..
ما يميز كوبابا هو أن التاريخ لم ينسها.. اسمها محفور على ألواح الطين، صامت لكنه واضح، تذكير بأن النساء كنّ موجودات يشاركن في تشكيل المدن وصنع القرار، حتى قبل أن يُطوى حضورهن في روايات لاحقة..

إنها ليست مجرد حكاية ملكة، بل شهادة على أن الإرادة والفهم العميق للناس، يمكن أن يكونا تاجًا على عرش أي مدينة..

إن قراءة قصة كوبابا اليوم تعطي شعورًا بأن التاريخ ليس دائمًا صاخبًا، وأن بعض أقوى الحكايات هي تلك التي تُروى بهدوء، بين طين الأنهار وبين أنفاس من سكنوا المدن..
حكايات امرأة صنعت فرقًا دون أن تطلب الانتباه، امرأة جلست على الطين، ونقشت التاريخ بصمتها الذي لا يُمحى.

قد يعجبك ايضا