حسين مردان: حين يصبح التمرد أسلوب حياة

محمد علي محيي الدين

لم يكن حسين مردان شاعرًا عابرًا في تاريخ الشعر العراقي، ولا ظاهرة أخلاقية طارئة كما أرادت له الصحافة المحافظة أن يُختزل، بل كان قبل كل شيء موقفًا فكريًا وجماليًا كاملًا، وتجربة إنسانية دفعت ثمن صدقها مبكرًا. كان رجلًا جاء إلى الشعر محمّلًا بفقر الطفولة، وبقلق المدن الصغيرة، وبأسئلة الجسد والحرية والوجود، فكتب كما يعيش، وعاش كما يكتب، بلا أقنعة ولا حسابات، ولذلك بدا صادمًا في مجتمع اعتاد أن يُجمّل كذبه ويخفي رغباته خلف ألف ستار.

وُلد في طويريج، المدينة التي تجمع بين بساطة الريف وقسوة الحرمان، في بيت فقير كثير التنقل، كأن قدره منذ الطفولة أن يكون بلا جذر مكاني ثابت. كان انتقال العائلة من مدينة إلى أخرى نتيجة وظيفة الأب في الشرطة العراقية صورة مبكرة لاضطرابه الداخلي اللاحق، ولعدم استقراره الوجودي. لم يعرف الهدوء طويلًا، ولم يُتح له أن يعيش طفولة آمنة مستقرة، فكان الشعر ملجأه المبكر، والقراءة تعويضه الأول عن الفقد. قرأ عنترة وهو في السابعة، وكتب قصيدته الأولى وهو في العاشرة، وكأن اللغة جاءت لتمنحه ما لم تمنحه الحياة من طمأنينة أو عدالة.
حين انتقل إلى بغداد، لم يدخلها بوصفه طالبًا يبحث عن شهادة، بل بوصفه روحًا متمردة تبحث عن فضاء يتّسع لقلقها. بغداد الأربعينيات والخمسينيات كانت مدينة تغلي بالتحولات السياسية والفكرية، وكان المثقف فيها إما أن ينخرط في السائد أو أن يقف ضده بجرأة كاملة. حسين مردان اختار الطريق الأصعب، طريق الصعلوك الثقافي الذي لا ينتمي إلى حزب ولا إلى مؤسسة ولا إلى أخلاق جماعية جاهزة. لهذا لُقّب بملك الصعاليك، لا لأنه عاش هامشيًا فقط، بل لأنه جعل الهامش مركزًا، والرفض مبدأً، والقصيدة ساحة مواجهة.
لم يكن صعلوكه سلوكًا اجتماعيًا فحسب، بل كان رؤية للعالم. الصعلوك في وعيه هو الإنسان الحر الذي لا يقبل أن يُختزل في صورة نمطية، ولا أن يُحاكم بمنظومة أخلاقية لا تؤمن بالحرية الفردية. وقد وجد في الوجودية، خصوصًا في أفكار جان بول سارتر، ما يمنح تمرده صيغة فلسفية واعية، لا مجرد نزق شبابي. الحرية عنده لم تكن شعارًا سياسيًا ولا موقفًا خطابيًا، بل ضرورة وجودية، شرطًا للكرامة الإنسانية، ومفتاحًا لفهم الجسد والمرأة والقصيدة والحياة.
حين كتب “قصائد عارية” لم يكن يكتب ليصدم المجتمع أخلاقيًا، بل ليصدمه فكريًا وجماليًا. العري في هذا الديوان لم يكن دعوة إلى الفجور، كما فهمه خصومه، بل كان نزعًا للأقنعة، كشفًا للزيف، واحتجاجًا على نفاق ثقافي يتحدث عن الطهارة وهو غارق في الكبت والتواطؤ. لقد عرّى المجتمع قبل أن يعرّي القصيدة، وفضح هشاشة القيم التي تقوم على القمع لا على الوعي. ولذلك لم يكن غريبًا أن يُعتقل، وأن تُلاحقه المحاكم، لأن السلطة تخاف الشاعر الصادق أكثر مما تخاف السياسي الصريح.
كتب حسين مردان قصيدة النثر قبل أن تستقر مصطلحاتها النقدية في العراق. كتبها بدافع داخلي، لا بوصفها موضة أدبية. كان النثر المركز لديه محاولة لتكثيف الشعور، لضغط التجربة الإنسانية في جملة مشتعلة، متوترة، حادة كالسهم. لم يكن يبحث عن الإيقاع العروضي، بل عن إيقاع النفس، عن نبض الوعي، عن توتر الجسد والفكرة. ولهذا جاءت نصوصه قصيرة، لاهبة، مباشرة، وكأنها طعنات لغوية في جسد الرتابة.
وقد رأى فيه كثير من النقاد واحدًا من أوائل من جعلوا قصيدة النثر العراقية فعلًا وجوديًا لا تمرينًا شكليًا. قيل عنه إنه كان يكتب “كمن يضع إصبعه في عين المجتمع لا في قصيدته”، وإن جرأته لم تكن فنية فقط بل أخلاقية بمعناها العميق: أخلاق الصدق. وقيل أيضًا إن مشكلته لم تكن مع الدين ولا مع التقاليد، بل مع النفاق الذي يتخفى خلفهما.
أما المرأة في مشروع حسين مردان فلم تكن موضوع إثارة، كما اتهمه خصومه، بل كانت مركزًا فكريًا. دافع عنها لا بوصفها جسدًا، بل بوصفها كائنًا إنسانيًا حرًا، عاملة، مناضلة، شريكة في الوجود. هاجم الصورة التقليدية التي تحصرها في دور الجارية أو المعشوقة الصامتة، وكتب عنها بوصفها قوة حياة، وشرطًا لتحرر المجتمع بأسره. كانت جرأته في الحديث عن الجسد محاولة لتحريره من الدونية، لا لتكريسه موضوعًا للاستهلاك.
ولذلك حين اتُهم بالإساءة للأخلاق، كانت المفارقة أن حياته الشخصية شهد لها كثيرون بالنقاء، وبالاحترام الشديد للمرأة في الواقع اليومي. لم يكن فاحشًا في سلوكه، بل في لغته الفنية فقط، لأن اللغة عنده كانت وسيلة تفجير لا وسيلة تزيين. لقد كان يؤمن أن المجتمع الذي يخاف من الكلمة الجريئة هو مجتمع لم ينضج بعد لمواجهة نفسه.
في الصحافة بلغ حسين مردان درجة من التميز جعلت مقاله قطعة أدبية قائمة بذاتها. لم يكن صحفيًا ناقلًا للأحداث، بل كاتب موقف. لغته في المقال كانت حادة، ساخرة، مشبعة بروح التمرد، حتى قيل إن كثيرًا من كبار الصحفيين لم يستطيعوا مجاراته في قدرته على تحويل المقال إلى نص إبداعي. وعندما خُصصت له صفحة في مجلة “ألف باء”، كان حضوره الأسبوعي أشبه بصدمة منتظرة، ينتظرها القراء بفضول وخوف معًا.
سجنه المتكرر لم يكن نتيجة انحراف أخلاقي، بل نتيجة تأثيره الثقافي. السلطة لا تسجن من لا يؤثر، ولا تخشى من لا يحرّض. حسين مردان كان يحرّض على التفكير، على كسر المسلمات، على الشك في الجاهز والموروث، وهذا أخطر من أي موقف سياسي مباشر.
وحين مات فجراً في تشرين الأول من عام 1972، بأزمة قلبية مفاجئة، بدا كأنه أنهك قلبه مبكرًا بالصراع. مات شابًا نسبيًا، لكن تجربته كانت أكبر من عمره، وأكثر كثافة من أعمار طويلة عاشت في المهادنة.
حسين مردان لم يكن شاعر فضيحة، بل شاعر حقيقة. لم يكن عاريًا في نصه، بل كان المجتمع هو العاري من الشجاعة. ولم يكن ملك الصعاليك لأن حياته كانت فوضوية، بل لأن الصعلكة عنده كانت أخلاقًا مضادة، وشرفًا ثقافيًا، ورفضًا لأن يكون الشعر موظفًا في بلاط السلطة أو العرف.
وحين نقترب أكثر من “قصائد عارية” نكتشف أن هذا الديوان لم يكن كتاب شعر بقدر ما كان بيانًا وجوديًا مكتوبًا بلغة النار. لم يكن نصًا يمكن أن يُقرأ بهدوء، بل كان يُقرأ بوصفه صرخة، احتجاجًا، إعلان تمرّد على اللغة المروّضة وعلى الأخلاق المؤدلجة معًا. لقد جاء في زمن كانت فيه القصيدة ما تزال محكومة بميزان البلاغة التقليدية أو بانضباط التفعيلة، فجاء حسين مردان ليكتب نثرًا شعريًا مكثفًا، لا يعترف بالزخرفة ولا بالمواربة، بل يقوم على الفكرة الصافية والاندفاع العاطفي العنيف. ولهذا بدا نصه كأنه خارج السياق، سابقًا لزمنه، لا يجد له مكانًا مريحًا في أي خانة نقدية جاهزة.
لم يكن العري في هذا الديوان عري الجسد بقدر ما كان عري اللغة نفسها. لقد جرّد الكلمات من حيائها المصطنع، وأعادها إلى أصلها الحيوي الأول، حيث لا فرق بين الفكر والرغبة، ولا بين الوعي والاندفاع. العري هنا فعل فلسفي قبل أن يكون فعلًا لغويًا، لأنه يضع الإنسان في مواجهة حقيقته دون أقنعة اجتماعية. ولهذا فإن من قرأ الديوان بوصفه استفزازًا أخلاقيًا فاته جوهره الوجودي، وفاته أن حسين مردان كان يسأل سؤالًا بسيطًا ومخيفًا: لماذا نخجل من الجسد ونحن لا نخجل من القمع؟ لماذا نرتعد من الكلمة بينما نهادن الظلم؟

وقد قال بعض النقاد في هذا السياق إن حسين مردان “لم يكن يكتب عن الجسد، بل يكتب ضد تحويل الإنسان إلى جثة أخلاقية”. وقال آخرون إن “قصائده ليست فاحشة، بل فاضحة، لأنها تفضح زيف التوازن الأخلاقي الذي يقوم على الكبت لا على الوعي”. مثل هذه القراءات تعيد الديوان إلى مكانه الحقيقي: نصًا ثقافيًا صادمًا لا كتابًا إباحيًا، وثيقة احتجاج لا نشرة إثارة.
وإذا وضعنا حسين مردان في سياق قصيدة النثر العربية، وجدناه قريبًا من روح أنسي الحاج والماغوط، لكنه غير تابع لهما. لم يكن تلميذًا لأحد، بل كان يكتب من تجربته الخاصة، من واقعه العراقي، من صراعه الشخصي مع الفقر والسلطة والكبت الاجتماعي. نصه أكثر عصبية، أكثر توترًا، أقل ميلًا إلى التأمل الهادئ، وأكثر اندفاعًا نحو المواجهة. وإذا كان أنسي الحاج قد منح قصيدة النثر بعدها الفلسفي الجمالي، فإن حسين مردان منحها بعدها الوجودي الجارح، حيث تصبح القصيدة شكلًا من أشكال العصيان.
لغته لا تعرف التزيين، بل تعتمد على الصدمة. الجملة قصيرة، مشدودة، كأنها رصاصة لغوية. المفردة مباشرة، بلا مواربة، لأن المواربة في نظره خيانة للفكرة. وقد رأى فيه بعض النقاد أن كتابته تمثل “أقصى درجات الصدق التعبيري في الشعر العراقي الحديث”، حتى لو بدت أحيانًا فوضوية أو غير منضبطة شكليًا. لكنه كان يؤمن أن الفوضى الصادقة أنبل من النظام الكاذب.
وفي مقالاته النقدية والصحفية، ظهر حسين مردان بوصفه كاتب موقف لا كاتب توازن. لم يكن يبحث عن الرضا العام، ولا عن التوفيق بين المتناقضات، بل كان يكتب ليضع القارئ في منطقة قلق. المقال عنده ليس تقريرًا بل مواجهة، ليس وصفًا بل اتهامًا، ليس تسلية ثقافية بل صدمة وعي. ولهذا استقطب حوله جمهورًا من الشباب الباحثين عن لغة مختلفة، عن خطاب لا يخاف من المجاهرة بما يفكرون فيه سرًا.
وكانت مواقفه السياسية جزءًا من هذا التمرد الكلي. مشاركته في التظاهرات ضد معاهدة بورتسموث، وسجنه عام 1952، لم يكونا حادثتين عرضيتين في سيرته، بل امتدادًا طبيعيًا لموقفه الوجودي من الحرية. لم يفصل بين الشعر والسياسة، لأنهما عنده شكلان من أشكال الدفاع عن الكرامة الإنسانية. لكنه في الوقت نفسه لم يحوّل القصيدة إلى منشور سياسي، بل أبقاها مساحة للإنسان قبل الأيديولوجيا.
وقد رأى فيه بعض المثقفين أن مشكلته الكبرى مع المجتمع لم تكن في أفكاره، بل في صراحته. المجتمع يمكن أن يتسامح مع الأفكار الجريئة إذا قُدّمت بلباقة، لكنه لا يتسامح مع من يقولها عارية بلا مساحيق. حسين مردان قال كل شيء كما هو، ولهذا بدا خطرًا، ولهذا حوكم، ولهذا عوقب.
وحين نقرأ أعماله الأخرى مثل “اللحن الأسود”، و“صور مرعبة”، و“الربيع والجوع”، و“أغصان الحديد”، نرى خطًا واحدًا يربطها كلها: البحث عن الإنسان الحقيقي خلف الأقنعة. العناوين نفسها مشحونة بالقلق، بالعتمة، بالجوع، بالصدأ، وكأن العالم في نظره مادة متآكلة تحتاج إلى فرك دائم كي لا تتحول إلى قبر مفتوح. حتى حين كتب “نشيد الإنشاد” لم يكن يقصد نشيدًا دينيًا، بل نشيد الجسد والحرية والوجود.
وقد كتب أحد النقاد عنه عبارة بالغة الدلالة: “حسين مردان شاعر لا يُقرأ لراحته الجمالية، بل لقلقه الوجودي. من يبحث عن الطمأنينة لا يذهب إليه، ومن يبحث عن الحقيقة الموجعة يجده.” وهذا التوصيف يلخص مكانته بدقة: هو شاعر المواجهة لا شاعر المواساة.
ولعل أخطر ما في تجربة حسين مردان أنه لم يُهادن في أي مرحلة من حياته. لم يبدّل لغته ليكسب رضا المؤسسات، ولم يخفف نبرته ليحصل على قبول اجتماعي. ظل حتى آخر أيامه صعلوكًا ثقافيًا حرًا، يدفع ثمن وحدته وفقره وعزلته، لكنه يحتفظ بنقائه الداخلي. ولهذا حين نقرأ سيرته اليوم، نشعر أن موته لم يكن مجرد نهاية جسدية، بل إغلاق فصل من فصول الجرأة العراقية التي قلّ نظيرها.
وإذا أردنا أن نضع حسين مردان في موقعه الحقيقي من الخارطة الثقافية العراقية، فعلينا أن ننزع عنه أولًا تلك الصورة المبسّطة التي حاصرته طويلًا: صورة الشاعر الفاضح، أو المتمرّد الأخلاقي، أو صاحب الكتاب المثير للضجة. هذه ليست سوى قشرة خارجية أخفت جوهره بوصفه واحدًا من أكثر الأصوات العراقية المبكرة جرأة في مساءلة العلاقة بين الإنسان والحرية واللغة. لقد كان سابقًا لزمنه لا لأن لغته صادمة فحسب، بل لأن أسئلته كانت أعمق من قدرة مجتمعه على استيعابها آنذاك.
في تاريخ الشعر العراقي الحديث، غالبًا ما يُذكر الروّاد بوصفهم أولئك الذين جدّدوا الشكل العروضي أو أدخلوا التفعيلة، لكن حسين مردان ينتمي إلى نوع آخر من الريادة: ريادة الموقف. هو لم يجدد الوزن بقدر ما جدّد وظيفة الشعر نفسها. لم يعد الشعر عنده وسيلة تعبير جمالي فقط، بل صار وسيلة مقاومة وجودية، احتجاجًا على ترويض الإنسان، وعلى تحويله إلى كائن منزوع الإرادة، منزوع الرغبة، منزوع الحق في السؤال. بهذا المعنى، يمكن القول إن حسين مردان أسّس لشعر لا يطلب الإعجاب، بل يطلب المواجهة.
لقد عاش في زمن كانت فيه الثقافة العراقية تميل إلى التوازن، إلى التسويات الذكية بين الجرأة والقبول الاجتماعي. كثير من الشعراء كانوا يعرفون ما يريدون قوله، لكنهم يختارون طريق الالتفاف. حسين مردان لم يعرف الالتفاف. كان يقول ما يريد قوله مباشرة، دون حساب العواقب، ودون أن يمنح المجتمع فرصة لتجميل نفسه. ولهذا بدا غريبًا، مزعجًا، غير قابل للاحتواء.
وقد كتب أحد النقاد عن هذه النقطة تحديدًا أن حسين مردان “لم يكن شاعر مرحلة، بل شاعر مواجهة دائمة مع المرحلة”. وهذه عبارة دقيقة، لأنه لم ينسجم مع أي ظرف سياسي أو ثقافي، ولم يتكيّف مع أي سلطة، لا سلطة الدولة ولا سلطة الأخلاق ولا سلطة الذائقة السائدة. ظل في موقع الاشتباك الدائم، حتى صار هذا الاشتباك هويته الثقافية.
ومع أن كثيرًا من الأصوات اللاحقة في قصيدة النثر العراقية والعربية جاءت أكثر نضجًا على المستوى التقني، وأكثر تماسكًا على المستوى البنيوي، إلا أن قليلًا منها امتلك شجاعة حسين مردان الوجودية. فالشجاعة الفنية أسهل من الشجاعة الحياتية، والكتابة التجريبية أسهل من العيش بوصفك تجربة مفتوحة على الخطر. حسين مردان عاش قصيدته قبل أن يكتبها، ودفع ثمنها في جسده، في حريته، في استقراره، في صحته، حتى انتهى قلبه منهكًا قبل أوانه.
وحين نعيد قراءة سيرته اليوم، لا ينبغي أن نتعامل معها بوصفها حكاية شاعر شقي، بل بوصفها وثيقة ثقافية عن علاقة المثقف العراقي بالسلطة والمجتمع والجسد. إنها تكشف هشاشة التسامح الاجتماعي مع الاختلاف، وتُظهر كيف يمكن أن يتحول الشاعر إلى متهم فقط لأنه قال ما لا يُقال. حسين مردان لم يكن ضحية نصوصه، بل ضحية صدقه. والصدق في بيئة تخاف الحقيقة تهمة لا تُغتفر.
لقد ظل حضوره، رغم التهميش، حيًا في ذاكرة من عرفوه، ومن قرأوه بعمق، لا بفضول أخلاقي. ظل مثالًا للشاعر الذي لم يساوم، ولم يكتب ليعيش، بل عاش ليكتب. وربما لهذا لم يُنصفه التاريخ الأدبي كما ينبغي، لأن التاريخ غالبًا ما يميل إلى تكريم من استطاعوا التوفيق بين الجرأة والقبول، لا من اختاروا الصدام الكامل.
إن إعادة قراءة حسين مردان اليوم ليست مجرد استعادة اسم منسي، بل هي فعل نقدي ضد ثقافة الترويض نفسها. هي دعوة إلى أن ننظر إلى الشعر بوصفه مساحة حرية قصوى، لا مساحة تهذيب أخلاقي. ودعوة إلى أن نفهم العري في نصوصه بوصفه رمزًا لتحرير الإنسان من خوفه، لا بوصفه استفزازًا سطحيًا.
لقد كتب أحدهم عنه: “كان حسين مردان يصرخ لأن الصمت كان خيانة”. وهذه العبارة تلخص روحه بدقة. لم يكن يصرخ لأنه يحب الضجيج، بل لأنه يرى في الصمت قبولًا غير مباشر بالظلم، وبالكذب، وبالعيش نصف حياة. ولهذا كان شعره ضجيجًا جماليًا ضد عالم يريد من الإنسان أن يكون هادئًا وهو مقموع.
وموته المبكر لم يكن نهاية تجربة، بل تحولها إلى سؤال مفتوح: ماذا لو عاش حسين مردان زمنًا أطول؟ ماذا كان يمكن أن يكتب؟ هل كان سيهدأ؟ أم كان سيزداد اشتعالًا؟ الأغلب أنه كان سيبقى كما هو: صعلوكًا حرًا، شاعرًا لا يطلب الغفران، ولا ينتظر التصفيق.
إن حسين مردان، في جوهره، لم يكن شاعر قصيدة نثر فقط، بل شاعر موقف نثري من العالم. موقف يرى أن الحياة لا تُعاش بالتقية، وأن الشعر لا يُكتب بالمجاملة، وأن الجسد ليس خطيئة، وأن الحرية ليست ترفًا فكريًا، بل حقًا وجوديًا. ولهذا يبقى حضوره، رغم مرور العقود، حيًا، مقلقًا، ضروريًا، لأن المجتمعات التي لا تزال تخاف الكلمة الحرة تحتاج دائمًا إلى من يذكّرها بأن الصمت هو الخطر الحقيقي، لا الشعر.

قد يعجبك ايضا