نوري بیخالي
كوردي أنا
قسَّمتُ خبزيَ الأخيرَ بينهم بالميزانْ
ووزَّعتُ ملحيَ حبَّةً حبَّةً بعدالةِ القاضي
أعطيتُهم نصفَ الغطاءِ في ليلةِ البردْ
ونصفَ الظلِّ في ظهيرةِ الهجيرِ اللاهبْ
كوردي أنا
قسَّمتُ معهم كوبَ الماءِ قطرةً قطرةْ
ووزَّعتُ عليهم ساعاتِ النهارِ دقيقةً دقيقةْ
أعطيتُهم نصفَ الكلماتِ التي أعرفُها
ونصفَ الأغاني التي كنتُ أُدندنُها في الطريقْ
كوردي أنا
لم أحتفظْ لنفسي بشيءٍ زائدْ
لا بفتاتٍ أكبرَ من فتاتِهم
ولا بقطعةِ قماشٍ أنعمَ من قماشِهم
كنتُ عادلاً حتى في توزيعِ الفقرْ
كوردي أنا
أردت أن جلس معهم على المائدةِ ذاتِها
وانام معهم تحتَ السقفِ المُثقَّبِ ذاتِهِ
وأشاركهم حتى في عدِّ النجومِ من الشقوقْ
وفي الاستماعِ إلى صوتِ الريحِ وهي تعوي في الزوايا
لكنَّهم لم يكتفوا
بنصفِ الخبزِ الذي أعطيتُهم
ولا بنصفِ الماءِ
ولا بنصفِ الكلماتْ
جاؤوا في الليلِ على أطرافِ أصابعِهم
وأنا نائمٌ مطمئنٌّ إلى عدالتي
مطمئنٌّ إلى أنَّني لم أظلمْ أحداً
مطمئنٌّ إلى أنَّ قلبيَ وزَّعَ كلَّ شيءٍ بالتساوي
لكنَّهم سرقوا منِّي ما لم أُعطِهم
سرقوا الصمتَ الذي كنتُ أحتفظُ بهِ لنفسي
سرقوا الوحدةَ التي كانتْ آخرَ ما أملكْ
سرقوا المسافةَ الصغيرةَ بيني وبينَ نفسي
اقتحموا غرفةَ روحيَ الصغيرةْ
تلكَ الغرفةَ التي لم تكنْ مكتوبةً في وصيَّةِ التقسيمْ
الغرفةَ التي ظننتُ أنَّها ستبقى لي وحدي
حيثُ أُغلقُ البابَ وأستريحُ من ثِقَلِ العدالةْ
سرقوا اللحظاتِ التي كنتُ أُفكِّرُ فيها دونَ أن يسمعَني أحدْ
سرقوا الدموعَ التي كنتُ أذرفُها في الظلامِ بعيداً عن أعينِهم
سرقوا الأحلامَ التي لم أروِها لأحدْ
سرقوا حتى صوتَ أنفاسيَ حينَ أتنفَّسُ بهدوءٍ في العتمةْ
صاروا يطرقونَ بابَ قلبي في كلِّ وقتٍ
يدخلونَ دونَ استئذانٍ
يجلسونَ على كرسيِّ أفكاري
يُعيدونَ ترتيبَ ذكرياتي كما يشاؤونْ
لم يتركوا لي حتى زاويةً صغيرةً
أختبئُ فيها من نفسي ومنهم
لم يتركوا لي حتى سكوتاً واحداً
لا تخترقُهُ أسئلتُهم ومطالبُهم وحاجاتُهم
قلتُ لهم: خذوا كلَّ شيءٍ
خذوا الخبزَ كلَّهُ والماءَ كلَّهُ
خذوا الثيابَ والأحذيةَ والسقفَ والجدرانْ
لكنْ دعوا لي وحدتي
فضحكوا وقالوا:
“الوحدةُ؟ هذا أنانيَّةٌ!
ألم تقسمْ معنا كلَّ شيءٍ؟
إذاً فلتُقاسمْنا وحدتَكَ أيضاً!”
وهكذا صارتْ وحدتي مُشاعاً
صارَ صمتي مكاناً عامّاً
وصارَ قلبي ساحةً يدخلُها مَن يشاءُ متى شاءْ
وصرتُ أنا غريباً في آخرِ غرفةٍ كانتْ لي
الآنَ أبحثُ عن وحدةٍ جديدةٍ
في مكانٍ لا يعرفُهُ أحدٌ
أبحثُ عن صمتٍ لم أُخبرْهم عنهُ
عن مسافةٍ سريَّةٍ بيني وبينَ العالمْ
لكنَّني أخافُ أن يكتشفوها
وأن يأتوا في الليلِ مرَّةً أخرى
على أطرافِ أصابعِهم
ليسرقوا منِّي حتى هذا الخوفَ الأخيرْ
فالذي يُقاسمُ الآخرينَ كلَّ شيءٍ
بعدالةٍ وإخلاصٍ ونيَّةٍ طيِّبةْ
يُعاقَبُ في النهايةِ
بأن يفقدَ حتى الحقَّ في أن يكونَ وحيداً
هذه هي قصتي
قصة الكوردي الذي خانوه
وغدروا به
وسرقوا أحلامه
تلكَ هي أقسى سرقةٍ على الإطلاقْ:
أن يُسرَقَ منكَ حقُّكَ في أن تكونَ أنتَ
في لحظةٍ واحدةٍ
دونَ شهودٍ أو مُطالبينَ أو محتاجينْ